Home
Uteheramkrauekan
Komelayaty
Nuseran
Mail
Library
Music
Art
Archive
Links
About Us

 

اللاعقلانية في خطاب الجبهة التركمانية (2)
 

    د.جبار قادر

 

تسويق الجبهة في الأعلام العروبي                                                                              

رغم كاريكاتورية الجبهة التركمانية إلا أن الأعلام العروبي يوليها إهتماما إستثنائيا . لن نتحدث هنا عن إهتمام الأعلام التركي بالجبهة لأنها كأحدى أدوات السياسية التركية في العراق لابد أن تأخذ حصتها من التغطية الأعلامية الموجهة من قبل مجلس الأمن القومي. ولكن و رغم حملات التهويل و المشاهد المسرحية التي جرى تنظيمها بعيد التاسع من نيسان في تركيا و التي كان حزب الحركة القومية الفاشي و منظمات الذئاب الغبر تقف ورائها ، إلا أن دوائر المخابرات التركية كانت تعرف حقيقة إمكانيات وفرص الجبهة المتواضعة على الساحة الساسية في العراق ، لذلك سرعان ما بدأت الحملات الأعلامية تتراجع وتفقد الجبهة أية مصداقية لها لدى المواطن العادي في تركيا . وبدأ العديد من الصحفيين و الأعلاميين الأتراك الذين زاروا العراق و إطلعوا عن كثب على حقيقة الأوضاع و السياسية و الأثنية يكشفون للناس أكاذيب و مزاعم الجبهة عن ملايين الأتراك في العراق . فقد ذكر أحدد محرري جريدة ( حريت ) بعد سقوط النظام مباشرة بأنه لم يلتق أحدا من ( مئات الآلاف من الأتراك !) هؤلاء الذين تحدثت عنهم الجبهة في لواء الموصل بل أن كل من إلتقى بهم كانوا إما عربا أو كردا أو كلدانا أو آشوريين . ويذكرنا كلام الجبهة عن عدد التركمان في العراق بمزاعم تركيا الكمالية عن عدد ( الأتراك) في ولاية الموصل أثناء مشكلة الموصل في عشرينات القرن الماضي . وكانت تلك المزاعم مثار سخرية الأطراف الأخرى . فقد كانت تركيا تزعم عدد الأتراك ( التركمان ) في الولاية هو ( 146920 ) شخصا أي حوالي خمس سكان الولاية ( محافظات الموصل ، دهوك ،أربيل، كركوك و سليمانية الحالية ). وقد إعتبر هذا الرقم مبالغ فيه الى حد كبير من قبل جميع الأطراف بما فيهم أعضاء لجنة عصبة الأمم التي شكلت لهذا الغرض ، فقد قدر رئيس اللجنة أينار فيرسين عدد التركمان في جمع أنحاء الولاية ب ( 39 ) ألفا فقط ( أنظر : أينار فيرسين ، من البلقان الى برلين ، ستوكهولم 1943 ، ص 159 - 160 باللغة السويدية ) . لا ندري وفق أية نظيرية ديموغرافية تكاثر هذا العدد خلال ثمانية عقود الى مليونين أو حتى ثلاثة ملايين نسمة؟ الجواب عند ( علماء !) الجبهة التركمانية . سأعود إلى هذا الموضوع بالتفصيل و بالأستناد الى المعلومات الأحصائية في حلقات قادمة من هذا المقال . كل ما أود الأشارة إليه هو الرقم النكتة ، الذي قدمه الجانب التركي آنذاك عن عدد ( أتراك السليمانية ) الى اللجنة المذكورة . فقد أشار الأتراك الى وجود أكثر من (32) ألف تركي في محافظة السليمانية . ويشير أدموندز في كتابة ( كرد وترك و عرب ) (ص 375 - 376  الترجمة العربية ) بهذا الصدد مايلي (( إن مسألة التكوين القومي لسكان لواء السليمانية كانت مثالا حسنا على سخف جوانب القضية التي عرضتها الحكومة التركية وعقم المهمة التي أنيطت بالمسكين ( جواد باشا ) . وكان الرد البريطاني الرسمي على هذا الزعم أنه لا يوجد في السليمانية مواطن تركي واحد. ولما وصلنا الى السليمانية سرينا عن أنفسنا بتقديم مذكرة خطية للجنة معتذرين عن ورود خطأ في رد الحكومة البريطانية المنوه به آنفا ولذلك فنحن نستدرك فنقول أننا وجدنا تركيا واحدا في السليمانية وهو من خدام معسكرات الحامية التركية قبل الحرب، إستوطن المدينة بعد زواجه بإمرأة كردية ، وهو الآن عامل تنظيفات في المدينة )). وقد أظهرت تحقيقات اللجنة عدم وجود أي تركي في لواء السليمانية بإستثناء عامل التنظيف هذا. تجاوزت الجبهة في حرب الأرقام حتى المنطق الكمالي في عشرينات القرن الماضي لأن الكماليين كانوا يشيرون على الأقل الى بعض التقديرات و التخمينات العثمانية ، أما الجبهة فلا تجد مبررا للأشارة الى التخمينات و الأحصائيات الرسمية مادامت تعرف بأنها مجرد أكاذيب . أشارت وزارة التخطيط العراقية مؤخرا الى إمكانية إجراء الأحصاء السكاني في شهر تشرين الثاني المقبل و إعلان النتائج خلال شهر من إجراء الأحصاء . إذا سارت الأمور في هذا المجال بصورة طبيعية سنطلع في نهاية العام الحالي على حقيقة التكوين الأثني لسكان العراق و مدنها المختلفة و سنتتهي حرب الأرقام و المزاعم المختلقة حولها لتحل الحقائق و المعطيات الأحصائية محلها و ستفقد الجبهة التركمانية و تيارات مجهرية أخرى ورقة مهمة من أوراق المزايدات .

مع إنفضاح مزاعم الجبهة أخذت بعض وسائل الأعلام التركية تتخذ مواقف أكثر عقلانية في تغطية الأحداث المتعلقة بالعراق و دور الأقلية التركمانية في العملية السياسية . حتى الأعلام التركي الغارق في الشوفينية أثبت بأنه يميل الى المهنية و فيه أناس يحترمون أخلاقيات المهنة أكثر من الأعلام العربي المحرض. وقد سأم الأعلاميون الترك من الأسطوانة التي لا تكل الجبهة و لا تمل من ترديدها أي خطر الكرد و حركتهم التحررية. وقد عبر عن ذلك الصحفي التركي جنكيز جاندار أثناء الندوة التي نظمت مؤخرا في أنقرة حول قانون إدارة الدولة العراقية عندما وجه أسئلته الى ممثل الجبهة ، الذي كان منشغلا كما هو شأنهم دائما بترديد الأكاذيب ، قائلا ( لماذا  تتهجمون على الكرد دائما بدلا من المطالبة بحقوقكم ؟ هل تستطيعون منعهم من الحصول على حقوقهم ؟ الجواب كلا . لماذا لا تدافعون عن حقوقكم و مطالبكم دون التهجم على حقوق الكرد ؟ الكرد الذين تهاجمونهم يدافعون عن حقوقكم في مجلس الحكم . متى تتعلمون ممارسة السياسة ؟ لماذا تجعلون من الآخرين أعداء لكم ؟ ماذا ستستفيدون من كل ذلك ؟ )) . 

في المقابل لازالت قنوات التحريض العربية ، و المشغولة حاليا بتأجيج الأحداث و سوق  أكبر عدد ممكن من العراقيين الى التهلكة دون وجود خطط و برامج واضحة ، تولي إهتماما كبيرا بالجبهة و صخبها . وقد فاقت الجبهة جميع التشكيلات و التجمعات السياسية التي ظهرت بعد سقوط حكم البعث في هذا المجال . ويمكن فهم الأسباب الحقيقية لهذا الأهتمام الأستثنائي و الذي يوازي حجم المؤامرة و تشعب أطرافها ضد الكرد و مدينة كركوك المنكوبة بالذات . لا زالت ذكريات تلك الأيام المليئة بالتحريض و الأكاذيب و التي أعقبت سقوط الطاغية حية في أذهان الناس ، و كان أبطالها مراسلو قنوات الجزيرة (القادم من تركيا )و العربية و العالم و أبو ظبي و CNN-Turk , NTV  و غيرها من القنوات التركية وذلك بالتعاون مع الجبهة التركمانية . وعندما ظهرت حقيقة الأشياء إنسحبوا دون أن ينبسوا ببنت شفة عن الأكاذيب التي واصلوا ترديدها لأيام عديدة . يؤكد هذا الأمر للمرة الألف على تغطيتهم المنحازة للأحداث و عدم موضوعيتهم في تحليل الأحداث من خلال الأستعانة بجيش من المحللين الأميين و القومجيين الموتورين . كما ويؤكد هذا الأمر عدم إحترامهم لأخلاقيات المهنة فضلا عن الأضرار بمشاهديهم البسطاء . ولا زالت بعض القنوات الفضائية و المواقع العربية على شبكة الأنترنيت تواصل هذه السياسة رغم ظهور الحقائق و إنكشاف الأمور. فشبكة الأخبار العربية ( ANN ) و عبر توجهاتها الجديدة في تغطية الأحداث العراقية ( يبدو أن التمويل يلعب الدور الرئيسي في هذا التحول ) و من خلال إعلامييها الجدد الباحثين عن موقع لقناتهم وسط قنوات التحريض و الشعارات العروبية ولاذين بدأوا يخصصون جزءا من برامجهم لتسويق الجبهة التركمانية . وقد تميزت المذيعة سلوى القزويني في هذا الباب و التي تدعو بمناسبة و بدون مناسبة أناسا يتحدثون بإسم الجبهة التركمانية. الغريب أن ضيوف سلوى هؤلاء قلما يوضحون للمشاهدين مطالب التركمان في العراق بل يدور جل حديثهم عن الخطر الكردي و المطالب الكردية ، ويبدو أن هذا هو الهدف من البرنامج . و لذر الرماد في العيون تتصل أحيانا ببعض السياسيين الكرد في بغداد. ولكن و بسبب رداءة الأتصالات في العراق لا يمكن فهم ما يقولوه هؤلاء . كما أن مواقعهم السياسية كممثلين لأحزاب سياسية كبيرة و مسؤولة لا تسمح لهم بإستخدام لغة متشنجة و غير سياسية و ينجرون الى مهاترات مع مسؤولي الجبهة و أنصارها الذين يتميزون بطفولية سياسية و سوقية قلما نجد نظيرا لها بين الحركات السياسية التي تمتلك تأريخا من النضال و العمل السياسي .  كما أن ضيوف هذه السيدة من مسؤولي الجبهة و بسبب الوحشة التي يشعرون بها من هذا العصر و مفاهيمه يحلو لهم كثيرا سرد قصص و فنطازيات الماضي السحيق . فقد تحدث زعيم الجبهة في أحد برامج السيدة القزويني عن آخر الأكتشافات في حقل السومريات و عن ( ألواح سومرية محفوظة في المتحف البريطاني تتحدث عن التركمان!!) . هل يستحق الحديث عن السومريين و في لندن حيث المتحف البريطاني و مئات من المتخصصين في الآثار و تأريخ العراق القديم أن يؤتى بشخص من كركوك لا يفرق بين التاريخ و القصص و حكايات الجدات ؟؟.

يبدو أن الآثاريين و المتخصصين في تاريخ العراق القديم و الذين لم يتمكنوا رغم الجهود العظيمة التي بذولوها على المدى القرنين الأخيرين من حل الألغاز المتعلقة بالسومريين و اللغة السومرية ، لم يعد لديهم خيار آخر غير الألتحاق بالدورات الثقافية التي ستنظمها الجبهة لكي يحصلوا على الأجوبة الشافية عن الأسئلة التي أرهقتهم خلال القرنين الماضيين . من المخجل حقا أن يكون مثل هذا الرجل الذي يطلق مثل هذا الكلام قد إنتمى الى الوسط الجامعي العراقي . ولكن عندما يتذكر المرء أوضاع الجامعات العراقية في ظل حكم البعث عندما كانت أطروحات الدكتوراه تكتب عن الفكر الأستراتيجي للقائد الضرورة في مجال توزيع الخضار ، يستطيع الأنسان أن يدرك أسباب هذا الخراب الفكري الذي يسبح فيه زعيم الجبهة التركمانية . هل يمكن لوسيلة إعلامية تحترم نفسها و مشاهديها أن تنشر مثل هذه السفاهات دون أية مداخلة من مديرة الحوار ( هذا إذا كانت تعرف أصلا شيئا عن الموضوع !!) ؟. كما تتصل هذه السيدة و في جميع حلقات البرنامج تقريبا بممثل الجبهة التركمانية في بريطانيا للأستئناس بآرائه( الفريدة ) سواء أكان في لندن أو ذاهبا الى أنقرة لتلقي التعليمات الجديدة من التشكيلات أياها .  لا يمكن الزعم بأن هذا يدخل في إطار حرية التعبير عن الرأي . حرية التعبير عن الرأي و وظيفة الأعلام الرئيسية تتلخص في إيصال المعلومة المفيدة و التغطية الموضوعية للأحداث الى المشاهدين و من خلال إشراك الأطراف ذات العلاقة بالحدث . أين هذا كله من قنوات التحريض و جيش المحللين السياسيين و الأستراتجيين المنشغلين بإلقاء الخطب السياسية الحماسية و توجيه الشتائم عوضا عن تقديم التحليلات الموضوعية المستندة على الشواهد و الأدلة و المصادر ؟ .

يبدو أن زعيم الجبهة التركمانية لا يعرف التطورات حتى على صعيد المنابع التي يقتبس منها أفكاره السومرية هذه ، و نقصد بها المدرسة التأريخية التركية الكمالية . فقد إدعت هذه المدرسة في ظل الطغيان الكمالي و في ظل شعارات عنصرية و فاشية ك ( كم سعيد أنا كوني تركيا ) و ( تركي واحد يساوي العالم ) و (نظرية اللغة الشمس و الترك أصل جميع الحضارات ) و غيرها ، أقول إدعت هذه المدرسة ومن تلك المنطلقات بأن السومريين لا يمكن إلا أن يكونوا أتراكا . ولم يتمكن هؤلاء أن يقنعوا (بنظريتهم ) هذه أحدا فتخلوا عنها دون ضوضاء ولم يبقى من شواهدها سوى 

( بنك سومر ) اليتيم في تركيا. يبدو أن رئيس الجبهة التركمانية بحاجة الى دورة جديدة تنظمها دائرة ( ميلي إستخبارات تشكيلاتي MIT ) ولكن هذه المرة في ( تورك تاريخ قورولو - مجمع التاريخ التركي ) لكي لا يتحول الى مسخرة لكل من هب و دب . نتمنى أن تستعين السيدة سلوى إذا كانت تريد إلقاء الأضواء على تركمان العراق و حقوقهم المشروعة على أناس يتصفون بشئ من الموضوعية و الثقافة العامة .  

يمكن تفهم مبررات جاسم العزاوي في محاولته لتسويق الجبهة التركمانية الى المشاهدين العرب من خلال فضائية أبو ظبي . ينتمي جاسم الى أولئك العرب الذين إستقدمتهم الحكومات العراقية الى كركوك . وتحول جاسم و مئات الآلآف من أمثاله،ربما دون إرادتهم و رغما عنهم أو بسبب أوضاعهم الأقتصادية ، الى أدوات لتطبيق سياسة غير إنسانية و نقصد بها حملات التطهير العرقي التي تعرض لها كرد كركوك سواء في المدينة أو المحافظة . من هنا كانت حملات العزاوي العنترية على الكرد و قياداتهم و حركتهم التحررية و محاولاته لتسويق الجبهة التركمانية الى المشاهد العربي عبر قناة أبي ظبي .

ولكن يستغرب المرء أن يتحول إعلامي مثل الدكتور أسامة مهدي الى ناشر لتلفيقات الجبهة التركمانية في موقع محترم كأيلاف . يستطيع الدكتور أن يزعم بأنه إعلامي و يحاول أن يكون موضوعيا في تغطيته للأحداث في العراق و ينقل عن الأطراف السياسية المختلفة و من بينها الأحزاب و الحركات الكردية . لا يمكن لأحد أن يعترض على نقل الأخبار الدقيقة بعد التأكد من مصداقية مصادرها مع عرض وجهات نظر الأطراف المختلفة . أعتقد بأننا لن نجانب الحقيقة إذا قلنا بأن جميع الأخبار التي كانت الجبهة التركمانية مصدرا لها كانت ملفقة . أي أنها حتى كمصدر غير جديرة بالثقة .لا شك أن الأعلام العربي، هذا فيما إذا كان ينطلق أصلا من نيات  حسنة لمعرفة الحقائق و ليس مدفوعا بمعاداة الكرد و تطلعاتهم ، قد تأكد من عدم مصداقية الجبهة التركمانية في جميع المزاعم و حملات الصخب التي أثارتها خلال السنوات الأخيرة و بخاصة منذ سقوط نظام البعث في التاسع من نيسان من العام الماضي . أكدت تجربة تلك السنوات بأن هذا التجمع ليس إلا ماكنة لأختلاق الأكاذيب و التلفيق و لا علاقة لكل ذلك بحقوق و مطالب التركمان المشروعة .

 وهناك مواقع عراقية على الأنترنيت لا تخلو يوميا من كتابات ركيكة يمكن تسميتها مجازرا ب

( الزبل الثقافي )،موجهة ضد الكرد كشعب و يحاول كتبة هذه المقالات أن يثيروا الفتن بين المكونات الأثنية في العراق . ويؤكد هذا الأمر مرة أخرى إمكانية إستغلال نعم التكنولوجيا و الثورة المعلوماتية لأغراض سيئة من قبل الرعاع و المتخلفين عن ركب الحضارة الأنسانية . ويجب أن نحمد الله على أن العراقيين الذين يكدسون الأسلحة في بيوتهم لا يستطيعون لحد الآن الأطلاع على مثل هذه الكتابات و إلا لكانت قد تسببت في زرع الفرقة و الشقاق بين الفئات المختلفة . ونتمنى أن يتعلم عراقيوا الداخل الحوار الحضاري قبل هؤلاء الكتبة الذين يعيشون على هامش الحياة في المجتمعات الغربية و يأكلهم الحقد على كل ما هو جميل و خير في الحياة الأنسانية .

من الملاحظ أن مسؤولي الجبهة و أنصارها يتحدثون لغتين مختلفتين . فحديثهم في تركيا و عبر شاشات التلفزة التركية يختلف كليا عن حديثهم في وسائل الأعلام العربية . فهم هناك أتراك أقحاح قذف بهم القدر الى العراق و تحاول الجماعات الأخرى أن تبتلعهم و على الأتراك حكومة و شعبا و أحزابا و مؤسساتا أن تضغط على الولايات المتحدة الأمريكية لتمنحهم مكانة متميزة في العراق الجديد . كما على الحكومة التركية أن تقف الى جانبهم و تدخل بقواتها لتحررهم و تدافع عنهم و تلقي بظلالها الرحيمة عليهم لكي يفرضوا هيمنتهم على الآخرين . وفي الأعلام العربي هم عراقيون لا ينامون ليلا من قلقهم على و حدة العراق و مستعدون للتحالف مع كل القوى الشريرة التي تناهض العراق الجديد . يقولون بأنهم ضد الأحزاب القومية ولكن جبهتهم ليست قومية فقط بل عرقية أيضا لأنها تحمل إسم جماعة قومية . لا يوجد كوردي على حد علمي و إنما تحمل الأحزاب إسم منطقة جغرافية وهي كوردستان . أي أنه يحق لجميع ساكني هذه المنطقة الجغرافية و منهم التركمان الأنتماء الى هذه الأحزاب . ومن هنا أرى من المنطقي و من منطلق الحرص على التعايش السلمي بين التكوينات المختلفة أن يجري سن قانون في العراق الجديد يمنع قيام الأحزاب على أسس عرقية أو دينية أو طائفية كأحزاب خاصة بالعرب أو الكرد أو التركمان أو الكلدان أو أحزاب خاصة بالمسلمين أو المسيحيين أو الأيزيديين أو الصابئة أو السنة أو الشيعة الخ .ترفض  المجتمعات المتحضرة وجود مثل هكذا أحزاب .     

حاول كويتب من المنتمين الى أجواء الجبهة الموبوءة و في مقال ركيك الطعن في علمية و موضوعية الأكاديميين و الباحثين الكرد . وبسبب جهله الفاضح بمبادئ و بديهيات مناهج البحث العلمي إعتقد هذا الكويتب بأن إيراد نصوص مقتبسة بصورة مجتزأة و بعيدا عن سياقاتها التاريخية و إستنادا الى مراجع ثانوية و كتابات تفتقر الى العلمية و ذكر بعض المراجع في نهاية المقال، يجعل من كتاباته فذلكات سيخلدها التأريخ . تظهر شطحات هذا الكويتب من خلال إستناده في فذلكته الى مقال لأحدهم ينسبني الى منطقة و عشيرة لا أنتمي إليهما و لم يشكل الأنتماء القبلي أو الجهوي هما لي في حياتي ، وهي أمور لا علاقة لها بالمواضيع التي نتناولها . يمكن قياس معلوماته الأخرى على ذلك لكي يتبين المزور و الدعي من الباحث الموضوعي المنصاع الى قيم العلم. لقد نسي هذا المبتدأ الغر بأن التأريخ الحقيقي يلفظ من بين سطوره الأكاذيب و الأخبار الملفقة و لا يمكن أن يحتفظ إلا بالحقائق و الخالد من الأعمال . ويدرك هذا الكويتب قبل غيره بأننا لا نكتب شيئا دون الأستناد الى مصادر أولية و مراجع رصينة تظهر زيف مزاعمه . لا أميل أبدا الى الرد على أناس يفتقرون الى الموضوعية و تخلو كتاباتهم من آدب الحوار . ولكن لقبه الغريب إستوقفني و ذكرني بقصة ذلك البيك الذي لم يكن يدرك حقيقة اللقب الذي حاول أن يتزين به . لم تكن سيارات سحب المياه الثقيلة تستطيع الدخول الى الأزقة الضيقة في أحياء كركوك القديمة شأنها في ذلك شأن المدن الأخرى في العراق و الشرق ، لذلك إستعان السكان بخدمات أناس منكوبين كانوا يقومون بهذا العمل القذر عبر سحب تلك المياه و نقلها في براميل صغيرة على ظهور الحيونات . وكان مرور أحدهم مع دابته كافيا لتفريق شمل الناس بسبب الروائح الكريهة . و كانت تسمية(Pokhchi )التي تطلق على هؤلاء مهينة لذلك حاول الناس الأستغناء عنها بكلمة أخرى و بخاصة عند مخاطبتهم لهم . وإستقر الرأي على البيك،ربما على سبيل الدعابة ، لقبا جديدا لأولئك المنكوبين . و كما يحلو لبعض الجهلة و أنصاف المتعلمين التغني بأمجاد جنكيزخان و هولاكو و تيمورلنك ، أراد  أحدهم أن يتفاخر بكونه من عائلة ( بيكات ) ذات سطوة في الدولة العثمانية و ربما قدمت من الأناضول لتحل في كركوك . و لكنه عندما سمع حكاية جده البيك من مصدر حي عرف المرحوم عن قرب قرر أن يتخلى عن ذلك اللقب و الى الأبد . أتمنى أن لا يكون باشانا الجديد من نفس الفصيلة رغم أن أسلوبه في الحوار فاضح و لا يشير الى روح باشوية أصيلة .

  تفتقر الجبهة التركمانية الى المصداقية و الشعبية لأنها ولدت كما أشرنا بصورة غير طبيعية على أيدي مولدين غرباء عن هذه البلاد، لذلك تنتهج الى جانب حملات الصخب و الصراخ ، سياسة في غاية الإنتهازية و مستعدة للتحالف حتى مع الشيطان بأمل الأضرار بالكرد . وجدت الجبهة رفاق النضال في فلول البعث و عجايا مقتدى الصدر و أخذت تنظم بعض المظاهرات المعادية للكرد مع هذه الأطراف في كركوك رفعت خلالها صور صدام و شعارات في غاية العنصرية.  يمكن فهم تحالف الجبهة مع فلول البعث البائد لأسباب عديدة . فقد جاء أكثر كوادر الجبهة و أعضائها من بين البعثيين الذين عملوا في صفوف الجيش الشعبي و فدائيي صدام و جيش القدس جنبا الى جنب . فضلا عن المشتركات الفكرية التي تجمعهم ، فمنابع الفكر العنصري العفلقي و الكمالي لا تختلف عن بعضها . فالقومية البدائية و الحقد القومي و كراهية بني البشر واحدة هنا و هناك و الأهم من هذا و ذاك هو العداء المشترك للكرد و تطلعاتهم القومية. لا نتجنى على الجبهة و أنصارها عندما نقول بأنهم كانوا ينتمون الى حزب البعث البائد . فمن بين 350 تركمانيا رشحوا كمستقلين الى مجلس محافظة كركوك لم يظهر بينهم شخص واحد لم يكن منتميا الى حزب البعث . وعندما فاز عدد من الكرد المستقلين فعلا بعضوية مجلس المحافظة ثارت ثائرة الجبهة و بدأ صراخها و عويلها على حقوق التركمان دون أن تشير من قريب أو بعيد الى الأسباب الحقيقية وراء عدم فوز (مستقليهم) لعضوية ذلك المجلس . 

ولكن الأمر الذي يحتاج الى توضيح هو ذلك التحالف المريب بين الجبهة التركمانية التي تسبح بحمد مصطفى كمال و علمانيته والتي تحولت الى دين جديد في تركيا ، مع عجايا مقتدى الصدر الذين يريدون أن يعيدونا الى قرون الظلام  و التخلف . لقد بعث مقتدى الصدر شخصا متخلفا بإسم عبدالفتاح الموسوي كممثل عنه الى كركوك لكي (يعيد بهاء الأسلام ) الى هذه المدينة . لقد صرح هذا الدعي عند قدومه الى المدينة لأثارة الفتن الطائفية و القومية بأنه وجد الأسلام ضعيفا فيها . لقد نسي هذا الطلائعي السابق بأن علي كيمياوي بكل قسوته و قطعانه العسكرية و أنفالاته و مقابره الجماعية و ترحيله لمئات الآلآف من الكرد لم يستطع تركيع كرد كركوك ، فهل يستطيع هذا الدونكيشوت الجديد أن يحقق بسيفه الخشبي في كركوك ما فشل الكيمياوي في إنجازه بفيالقه و كيمياوياته . يبدو أن هذا الممثل الذي ينتمي الى ( جيل الثورة ) لا يعرف شيئا عن نضال الكرد و القوى السياسية العراقية التي قارعت الدكتاتورية خلال العقود الماضية .  

 تدفع الجبهة و حلفائها من فلول النظام و عجايا مقتدى بالمراهقين المسلحين الى تنظيم المظاهرات و إطلاق النار على المؤسسات الحزبية الكردية و الحكومية . وتهدف الجبهة من وراء ذلك الى إثارة الفتنة و جر الأطراف الكردية للرد على إستفزازاتها . ولازالت الجبهة تعتقد بأنها تستطيع من خلال إثارتها للفتن تهيئة الأجواء للتدخل التركي . وهذه قراءة أخرى خاطئة تقع فيها الجبهة لأن قادتها لا تهمهم مصالح الجماهير التركمانية التي تكمن في الأستقرار و سيادة أجواء التسامح و التعايش السلمي بين المكونات الأثنية المختلفة في كركوك . لا يفكر هؤلاء الذين جمعوا الأموال الطائلة من خلال إرتباطهم بالدوائر الأمنية التركية و تحولهم الى وكلاء لبيع سمات الدخول فضلا عن قيامهم بصفقات تجارية مشبوهة على مدى السنين الماضية بمصالح الجماهير الفقيرة و المعدمة من التركمان . و عندما سيتدهور الوضع سيكونون أول الهاربين للعيش في نعيم الدولارات المغموسة بالدم على شواطئ البسفور .

ومن حسن حظ الجميع أن الأكثرية الساحقة من التركمان و التي تتعايش بسلام مع الكرد و غيرهم  تعارض محاولات الجبهة لإثارة الفتن و الأضطرابات بين المكونات الأثنية في كركوك .و لو كانت الجبهة تحظى بالشرعية والدعم الجماهيري الواسع من التركمان لكانت قد تسببت في حصول مآسي و كوارث كبيرة . من المفرح أن الأحزاب الكوردستانية لم تسمح لنفسها لأن تنجر الى الرد على إستفزازات الجبهة التركمانية و عجايا مقتدى الذين تمادوا في تجاوزاتهم  . ويجب عليها أن تستمر في سياساتها الداعية الى التعايش السلمي بين المكونات الأثنية و التجاوب مع رغبات المواطنين جميعا و إهمال السلوك الصبياني للجبهة حتى يدرك الشباب المغرر بهم خطر هذه المجموعة المغامرة التي تحركها الدوائر الأجنبية على حياة و مستقبل التركمان في العراق . وقد أدرك عدد كبير من التركمان بأن الجبهة بشعاراتها اللاعقلانية و خضوعها الكامل للمصالح  التركية أضرت بحقوق التركمان و موقعهم في العملية السياسية في العراق الجديد . تؤكد الجبهة للقاصي و الداني و بصورة يومية تقريبا بأنها لم تتشكل بهدف المطالبة بحقوق التركمان بل لتنفيذ مخطط مرسوم من وراء الحدود يتلخص في خلق العراقيل و العقبات أمام العملية الديموقراطية في العراق و أمام الكرد على طريق نيلهم لحقوقهم القومية . وهي وظيفة فريدة لمنظمة سياسية قد لا نجد مثيلا لها في العالم كله .

 وهناك نكتة كردية معبرة عن حالة الجبهة هذه . وتقول النكتة أن حكومة عراقية قررت منح الحقوق القومية للتركمان. فبادر ممثلون يحملون أفكار الجبهة و عقدها تجاه الكرد للسؤال عن حقوق الكرد ضمن التوجهات الحكومية الجديدة ، و عندما إخبروا بأن الكرد سيحصلون أيضا على حقوقهم . عند ذاك كان المطلب الرئيس لممثلي الجبهة هو أنه مادام الأمر كذلك فهم لا يريدون أية حقوق شرط أن لا يحصل الكرد على شئ. هناك مقولة تشير الى أن النكات تحمل شيئا من الحقيقة . ولكنها في حالة الجبهة التركمانية فإنها تتضمن الحقيقة كلها . لقد شاهدنا مرات عديدة أناسا يتحدثون أو يكتبون بإسم الجبهة التركمانية عن قانون إدارة الدولة و لم يأتوا أبدا على ذكر البنود و الفقرات الخاصة بحقوق التركمان . لقد أقر القانون الجديد بوجود التركمان بعد أن ألغى النظام السابق وجودهم دستوريا . وفضلا عن الحقوق المدنية و المواطنة و المشاركة السياسية التي سيتمتع بها جميع المواطنين العراقيين على قدم المساواة ، أقر القانون الجديد حقيقة كون العراق بلدا متعدد القوميات وهذا يشمل الأعتراف بالتركمان كغيرهم . كما أقر القانون حق التركمان و غيرهم في  تعليم أبنائهم و بناتهم بلغاتهم القومية . وهذا تقدم كبير على صعيد العراق و المنطقة ولا يمكن أن لا يلاحظه إلا الذين أعماهم الحقد القومي البدائي . من مصلحة القوى السياسية التركمانية المعبرة عن مصلحة التركمان العمل على تنفيذ بنود هذا القانون على صعيد الواقع .

في المقابل نرى بأن مطالب المتحدثين بإسم الجبهة تركزت على ضرورة رفض إعتبار اللغة الكردية لغة رسمية الى جانب اللغة العربية في العراق . فضلا عن حملهم للسيوف الخشبية لحماية وحدة العراق و عدم السماح بتجزئتة ، و يعنون بذلك وقوفهم ضد مبدأ النظام الفدرالي الذي أجمعت القوى السياسية الرئيسية في العراق على تبنيه. ويدرك هؤلاء بأن هناك فئات متخلفة و غوغائية في المجتمع العراقي ، الذي حرم من الأطلاع على ما يجري في العالم ، سوف يدافع عن هذه الأفكار . ولكن التجربة أظهرت إستحالة تحقيق مثل هذه الآمال الزائفة و الكرد مصممون على تحقيق كامل حقوقهم في العراق الجديد دون الأضرار بأحد و دون السماح لأحد أن يقرر نيابة عنهم مستقبلهم .