قراءة في حوادث قتل الشرقيات في الغرب

كيف تفقد شيء اسمه الإنسان؟

كامل محمد القرداغي

 

 *قبل فترة زمنية كتبت مقالا عن مقتل (فاديمه شاهيندال) الفتاة الكردية التي قتلت على يد والدها (رحمت شاهيندال) في السويد, وفيه أعربت عن استيائي للحادث, وحاولت التطرق إلى أسباب الحادث حسب فهمي للموضوع. وفي بحثي عن الأسباب رأيت من المناسب اتهام الأب بالتخلف, لأنه هو الذي لم يتحمل ألموالفة مع التراث الغربي الذي يعطي حرية اكثر أبعادا للمرأة, وإن تخلفه هو الذي دفعه إلى القتل.

*لم أكن أنا وحدي في توجيه سبابة الاتهام والإدانة إلى السيد شاهيندال بل هناك كثيرون فعلوا مثل ما فعلت أنا, من بينهم منظمات وهيئات محلية وأجنبية, بالإضافة إلى أشخاص آخرين طبعاً, ولكني قرأت مقالا لكاتب على إحدى المواقع الكردية على شبكة الإنترنت, كان مقالا خارجا عن الطور المألوف لما كتب عن الموضوع, حيث قال الكاتب في مقاله ما مضمونه إنه ليس غريباً ما فعله السيد شاهيندال, فكان هذا ما كان يفعله أي رجل شرقي آخر في مكانه, وسأل:- من منكم يقبل أن يرى ابنته أو أخته مع رجل منتم إلى تراث آخر!!

*بين هذا وذاك, وبين تجريد واقع الأشياء من بناء تصورات ذاتية كل حسب تفكيره, أقول لابد لنا من التحلي بملكة التساؤل, وبالعقل النقدي القادر على النفاذ إلى جوهر الأشياء والأحداث, ومن هناك نحاول وضع النقاط على الحروف في تبيان ما يحدث وإيجاد المتهم الحقيقي الذي نفذ الجريمة وينفذها في جلدة الأب الشرقي المغترب, لأن قائمة أسماء الضحايا تطول وتطول وبعدها لا يحلو لنا أن نعد (رحمت شاهيندال) كالمتهم الوحيد فيما فعل.

*دعنا نبحث عن الأسباب قبل إطلاق الأحكام و وضع الناس وراء قفص الاتهام, لأنني أرى إننا نكون مخطئين لو وجهنا سبابة الاتهام الى شخص معين ك(شاهيندال مثلا) وقرأنا الأحداث على مستوى خصوصياته, لأن ما حدث ويحدث هناك لا يقتصر على مجريات قضية شاهيندال و أبنته (فاديمة) وحدهما, بل هناك (فاديمات) أخرى قتلن قبلها او بعدها, فهناك (بيلا اتروشي*1, وسارا, وأسرين) من بنات الكورد وهناك غيرهن الكثير من ذوات الأصول الشرقية قتلن على الأرض الغربية, وهذا ما يفرض علينا النظر إلى الموضوع من بعد آخر, بعد يعود إلى الاختلاف الثقافي و القيمي بين الإنسان الشرقي المغترب الذي لديه تراثه وقيمه للتصرف والتعامل مع الآخر وبين المجتمع الغربي الذي يحتضن المغترب, لأن الاختلاف وارد وظاهر للعيان, وإن مفهوم (الأسرة الإنسانية الواحدة) الذي يتحدث عنه بعض المفكرين والكتاب المتفائلون, طور ما يزال في صياغته النظرية.

يغترب الفرد الكردي ويصل أوربا ليجد نفسه هناك بين مجتمع يحمل أفراده قيماً وتقاليد خاصة بهم بعيدة كل البعد عن تلك التي تربى عنها الفرد الشرقي, أو الكردي المغترب, لدرجة يرى هذا الأخير نفسه غير حامل لأي تصور عن القيم الذي يراه جديدا كلياً, عليه يصبح على مفترق طريقين, أولهما هو أن ينزوي في المجتمع الجديد ويقبل كل قيمه وعاداته وتقاليده كمسلمات ويدير ظهره لأصالته الأم, ويحاول التأقلم مع الوضع الذي يصبح كل صغيرته وكبيرته جديدة عليه, ويعمل جاهداً على أن يثبت جدارته للقبول من قبل المجتمع المضيف.

وثانيهما هو أن يعود إلى خصوصياته من العادات والقيم ويعيد التزامه بانتماءاته الخاصة, واعتزازه بجذوره وأصله, أي يصبح اعتزازه بقيمه كجزء من مسؤولية احتفاظه بهوية القومية ومحاولته للحيلولة دون الانصهار في هوية الآخرين, وهذا ما يؤدي في غالب الأحيان إلى (الإنطوائية) أي انطواء الفرد المغترب على ذاته بما لهذه الذات من خصوصيات وانتماءات, إن هذه (الإنطوائية) ربما هي التي تؤدي إلى قتل (فاديمة) وغيرها من بنات الآباء الشرقيين اللاجئين إلى الدول الغربية, لأن الآباء اكثر عرضة للإصابة بها من الأبناء والبنات نظراً لكثرة السنوات التي رصت فيها القيم الشرقية ذاكرة الآباء حسب قوالبها النمطية الجاهزة, بالمقارنة مع الأبناء والبنات الذين يتركون أوطانهم بالرغبة من الوالد ومتمتعين بقابلية اكثر من قابلية الآباء لتقبل الجديد, لذا ترى هذا الجيل من المغتربين اكثر قابلية للانزواء بالمقارنة مع الآباء, لذا ترى الطفل تعلم اللغة قبل والده, أو أمه وتعلم كيف يحيي جاره على الطريقة الغربية قبل أن يعرف والده أو والدته حتى من الذي يسكن في جواره, هذا هو الشيء الذي يحدث خلافاً في العائلة, خلاف على تعرض هرميتها إلى خطر الانزياح, لأن الأطفال او الأبناء يصبحون ملمين في التعاطي مع ما هو جديد ومقبول في المجتمع الحاضن, ويتعاملون بها في وقت يريد فيه الأب الإبقاء على أساليبه في نظراته و في ممارسة سلطاته فوق هرم عائلته التي تعد كجمهوريته الصغرى, ويريد الاحتفاظ بحقه في تقرير خصوصيات أبناءه أو بناته, وهذا ما يفعله دائماً, وقليل من الأبناء أو البنات المنتمين والمنتميات إلى العوائل الشرقية الذين يقدرون على ترك نطاق العائلة والخروج من حدود ممارسات الوالد السلطوية في الهيئة الصغرى التي تمثلها العائلة, لذا عليهم أما الانصياع الى رغبة الوالد صامتين, وإما اختراق حدود غضبه ولعنته والذي ربما كثيراً ما تؤدي الى فاجعة القتل, لأن بنية العائلة هي هيكل من البنيان المقدسة التي يحاول الفرد الشرقي المغترب الاحتفاظ بها كجزء من خصوصيات انتمائه.

ولكن الفرد الغربي المتمتع هو أيضا بخصوصياته في الانتماء وللانتماء غير ملزم بالانصياع هكذا الى البقاء في إطار (جمهورية الوالد) وربما خطى أولى خطواته نحو الحرية بالانفصال عن البيت العائلي والبحث عن مكان يخصه خارج أسرته, والأجواء بالأصل أكثر ملائمة ومساعدة لهذا الانفصال هناك في الغرب عند وصول الفرد الراغب في الانفصال إلى السن القانوني.

فعندما يصل الفرد الغربي إلى هذا السن من العمر ويختار العيش وحيداً أو مع من يراه لائقاً للعيش معه خارج الأسرة, هذا يعني انه رفع راية كيانه المستقل وسوف يكون حراً في خياراته وفي تقريره لمصيره, وبعمله هذا يجرد عائلته الأم من غلافه المقدس (على الأقل من زاوية رؤيته الخاصة) وربما يجرد نفسه من الصفة التواكلية الطفولية العاملة في وجود كل فرد منا.

أظن إنه من المناسب ان نسأل هنا لماذا يستطيع  الفرد الغربي أن ينال استقلاله من سيطرة العائلة ويكون حراً في تحديد علاقاته, ولكن هذا الشيء غير مباح للفرد الشرقي, حيث على هذا الأخير أن يعمل على تقوية الجسور والحبال الرابطة بينه وبين عائلته الأولى الذي تربى في كنفها حتى بعد تكوينه لعائلته الخاصة به؟ وعليه أن يعد رأس العائلة الأولى المتمثل بوالده مرجعاً اليه لترجيح كفة أي اختيار يكون هذا الفرد على مفترق طريقين أمامه؟

هناك وجهان للإجابة على هذا السؤال, وجه اقتصادي, ووجه آخر قيمي, ويختلف موقف الفرد الغربي عن زميله الشرقي في كلا الوجهين, دعني أقدم توضيحاً.

في إلتفاتة الى ماضي كل منا, نرى إننا نحن الشرقيين أصحاب تراث مثالي (ايديالي) وجهنا جل اهتمامنا الى صناعة تأريخنا على الأشياء المثالية وتركنا جانباً الأمور المادية والاقتصادية, لذا ترانا نحن أثرياء في تراثنا المثالي الذي أضفنا عليه طابعا مقدسا ومفتقرون إلى التاريخ والتراث الاقتصادي والمادي والصناعي, ولكن الغربيين عملوا في تراثهم على عكس ما عملنا, إنهم اهتموا بالوجهة الاقتصادية و الرفاه, اكثر من اهتمامهم بالمثاليات, انه ليس من الباطل أن يعتز الغربيون بثورتهم الصناعية كأكثر اجزاء تأريخهم إشراقا.

 عن المثاليات لا أقول إن الغربيين لم يهتموا بها, بل على العكس من ذلك, وكل متابع يرى ما عمله التراث المثالي المتمثل بالأساطير والتراث المسيحي على ذاكرة الغربيين, ولكن بغض النظر عن الوجهة الاقتصادية, كان اهتمام الغربيين بالمثاليات غير اهتمامنا نحن بما نملك منها, انهم تمكنوا من الاهتمام بها من وجهة نظر نقدية, ونحن اهتمنا بها من وجهة توسيع رقعته القدسية, لذا تمكنوا هم من التنازل عن تلكم التي رأوها كأنها بلا جدوى, وأصبحنا نحن متعمقين في تقديس مثالياتنا, لذا من السهل أن تجد بين الشرقيين من اختلط الحابل بالنابل, يقدس أشياء أسطورية عفا عليها الزمن, وكأنها جزء من ضروريات الدين الذي يجب أن يقدسه. كان هذا التأريخ لاهتمام الغربيين بالاقتصاد والماديات قد جني ثماره, وكانت النتيجة هي الرفاه الذي نراه الآن, حيث باستطاعة كل فرد أن ينفصل بذاته ويعمل على تقوية كيان خاص به, لأن مجتمعه يسهل له الأمر في ظل الرفاه والاقتصاد المنتعش, ولا يصبح الوالد مضطرا إلى البقاء كمعيل الابن أو الابنة, طالما انهما يريدان الاستقلال.

أود ان أعطي مثالا هنا لأوضح اختلاف الطرفين الغربي والشرقي في الاهتمام:-

كان العراق قد وقع تحت نير السيطرة البريطانية عام (1918) (الجانب الأول شرقي, والآخر غربي), وفي عام (1923)سمح البريطانيون للعراق بأن يشكل أول حكومة خاصة بها كاعتراف من المملكة العظمى بالاستقلال السياسي للعراق (بالرغم من انها كانت حكومة منتدبة بريطانيا) استفادت بريطانيا من هذا الاعتراف لامتصاص غضب و هيجانات ثورات وانتفاضات عراقية, ولكنها في الوقت عينه أحكمت قبضتها على الاقتصاد العراقي حتى لأكثر من أربعين سنة بعد نيل العراق لاستقلاله السياسي الذي أصفه ب (الجزئي) هو أيضا نوعا ما, حيث لم تتنازل بريطانيا على مصالحها في النفط العراقي إلا بعد (حزيران عام 1972) دون ان تظهر في هذه العقود الأربعة البالغة التأثير في حياة كل العراقيين حركة شعبية أو ثورة تجعل من التحرير الاقتصادي هدفها الأول, كان هناك حزب يساري عراقي وما يزال, ظهر إلى حيز الوجود في الثلاثينيات, ظهر ويحمل أفكارا يسارية, كان من الممكن أن يعمل من أجل تحرير الاقتصاد الوطني, لكنه لم يصب اهتمامه على التحرر الاقتصادي في تلك الأزمنة البالغة الحساسية بقدر ما اهتم هو أيضا بالنظريات التي لا تخرج عن كونها أشياء مثالية (كمحاربة الدين) مثلا, ولكن كثيرة هي الثورات والحركات التي هبت في تلك العقود عاملة في دوامة من الشعارات وتناحرت فيما بينها على أساس اختلافات نظرية فيما كان البريطانيون يتمتعون بالاستفادة من أغلى مصدر اقتصادي عراقي.

في النهاية لا أحبذ التطرق الى سؤال (المقدس) ولكنني أقول:-

ربما يقف فرد شرقي على مرتفع من التأريخ يوما, يقف ويصدح أمام الجميع جهارا نحن كسبنا من المثاليات كل شيء, ولكن بالمقابل فقدنا شيء واحد غير ذات الأهمية, وهذا الشيء هو الأنسان.

---------------------

*لم يكن قتل (بيلا أتروشي) في السويد, بل كانت تسكن السويد وقتلت في عودتها الى الوطن.

rkamq@yahoo.com

HOME