آذار شهر الألم و الوجع
فينوس فائق / هولندا

   

آذار ، الشهر الثالث في السنة ، كلمة آذار تنطق في اللغة الكوردية على هذا النحو: (آزار) و تكتب (ئازار) و ذلك نظراً لأن اللغة الكوردية ليس فيها حرف (ذ) لا كتابة و لا نطقاً ، ومن المفارقات الغريبة أن كلمة (ئازار) لها معنى آخر في اللفة الكوردية و هو (الألم أو الوجع) ، و في كل عام عندما نستذكر مناسبات شهر آذار أتذكر معنى كلمة أزار أي الألم و الوجع ، فأكثر المصائب و الأحداث ألماً و وجعاً في عمر تأريخ الشعب الكوردي حدث في شهر آذار ، ذلك الشهر الذي المفروض به أنه شهر خير و بركة و إقدام على الحياة الجديدة ، ففي شهر آذار كان قدر الكوردي أن يموت موتاً جماعياً ، أن يموت مختنقاً بالغاز السام ، ذلك الكوردي المتميز في كل شيء حتى في الموت..كلما جاء عام جديد و حل شهر آذار بآلامه و أوجاعه ، عقدت العزم على أن أكتب ، و في كل مرة أتوقف ، أفشل في أن أكتب المأساة ، أفشل في أن أوصف المأساة ، أفشل في أن أحول الكلمات إلى مطرقة لأدق بها ناقوس الضمائر و أوقظ به الوجدان البشري و أن أقول لهم أننا يجب أن لا ننسى مأساة حلبجة .. و كلمة حلبجة باللغة الكوردية تكتب و تنطق هكذا (هةلةبجة) أي أنها تبدأ بالحرف (هاء) ، لذا فمن المفارقة أن كلمتي (هيروشيما و هولوكوَست) تبدآن أيضاُ بحرف الهاء كما في (هلبجة) ، فالكل يعرف بالتأكيد كارثتي هيروشيما و هولوكوَست اللتان يتحدث عنهما التأريخ ، و بالأخص مأساة هولوكوَست ، تلك الجريمة الشنعاء التي إرتكبها الألمان النازيون بحق ستة ملايين يهودي و ذلك بحرقهم جماعياً في الأفران خلال الحرب العالمية الثانية ، و يطلق اليهود عليها تسمية (هاشواه) أو (هاحوربان) بمعنى النكبة و المصيبة ، فمن المفارقة أيضاً أن تلك الكلمتين أيضاً تبدآن بحرف (الهاء) ..و الآن و رغم مرور كل ذلك الزمن على تلك الجريمة البشعة ، نجد اليهود في عموم العالم و معهم المتعاطفون مع آلامهم من كل أنحاء العالم يستذكرون تلك المأساة و يولونها إهتماماً منقطع النظير ، أنا لا أقول أن جريمة و مأساة حلبجة لم يتم ذكرها ، لكن هنا عتبي على الإعلام الكوردي و المنظمات و المؤسسات التي لها علاقة بمجال تلك الجرائم ، و التي عليها أن تركز على قضية محاكمة صدام حسين ، فجريمة حلبجة هي الجريمة الوحيدة في التأريخ البشري من حيث شناعتها و كبرها و من حيث أن فاعلها لا زال على قيد الحياة و بنعم بكل أنوع الضيافة التي تليق بالرؤساء و من حوله الأطباء من كل حدب و صوب و يتناول شايه و قهوته في مواعيده الثابتة كما كان أيام حكمه..

هناك الكثيرون من أصحاب الأقلام النظيفة ممن يكتبون و يكتبون و بدافع من ضميرهم الإنساني فقط و تعاطفهم مع ضحايا أبشع جريمة آلمت بشعب دون وجه حق ، إنما أوجه كلامي هنا إلى تلك المنظمات التي تأخذ على عاتقها مهمة الدفاع عن أهالي و عوائل الضحايا و تتولى مهمة إيصال القضية إلى المجتمع الدولي و التعريف بها من زاوية القانون الدولي ، و التي عليها أن تطالب و بجدية بالتعجيل بمحاكمة المجرم صدام ، و كفى به يأكل و ينام في ضيافة الأمريكان و حراسته ، و أن تتألف مجاميع من المحامين و القضاة الذين يطالبون بمحاكمته لكن في حلبجة الألم و الوجع و أنا اليوم أعود و أكرر و أشدد على إقتراح القاضي الفاضل زهير كاظم عبود عندما دعى إلى محاكمة المجرم صدام في حلبجة وأن ينال جزاءه العادل في حلبجة..

فهلبجة اليوم صارت رديفاً لمعاني الإبادة الجماعية في العصر الحديث ، و رديفاً لكل ما يمت بصلة إلى معاني القهر و الفناء و الموت الجماعي ، و كما يقول الشاعر رفيق صابر في وصفه لمدينة هلبجة بعيد قصفها بالغاز السام:

لا تتركوها وحيدة

الليلة يزرعها العاصفة

يغطيها الضباب

قمر الليل يخطفها  

.....

بللو حنجرتها بالغسق

وآلامها بالعقيق

غطوها بالأغاني

أو بخضرة الغابة

.....

و أنا أقول لأطفال حلبجة الذين ماتوا بالغاز السام دون ذنب ، دون أن يكبروا ..

و أنتم أطفال هلبجة

ماذا تفعلون هناك  

لما إحترقتم هكذا ؟ لماذا لم تكبروا

إنتظروني سآتيكم

و ليشعل كل منكم شمعةً

و لتغنوا أنشودة "أيها الرقيب"

و لتضعوا وردة على صدوركم

و إبكوا هلبجة

إبكوا معاً

مثلما متم معاً

إبكوا بصوت عالٍ

مزقوا صدر الأرض

و إنتفوا شعر السماء

و نادوا الله و أسألوه

لمن باع عيونكم

لمن أهدا حواجبكم و خدودكم

أين أخفى أرجلكم الصغيرة

لا تدعوا الله يذهب حتى آتيكم

آهـ كم هو كبير هذا الموت

لا يعرف كيف يحتويكم

أيديه أكبر من أيديكم الصغيرة

أرجله أطول من أرجلكم القصيرة

إبقوا هناك حتى آتيكم

ضعوا رؤوسكم على صدور بعضكم البعض

ضعوا أيديكم في ايدي بعضكم البعض

و لا تسكتوا ... غنوا

إبكو هلبجة

إنتظروني آتيكم ...

 

        هذا جزء من قصيدة طويلة من ديوان "الخطايا الجميلة" للشاعرة ، بعنوان "لأطفال هلبجة باللغة الكوردية..    

venusfaiq@yahoo.co.uk                                       

 

HOME