الثابت و المتغير في السياسة

و دعوة إلى نزع الأقنعة

فينوس فائق

   

 

لست بسياسية و لا أفقه شيئاً في السياسة لكن التجارب علمتني أن لا أسكت إزاء قضية أؤمن بها و أن أعلن رأيي بأي طريقة كانت و خصوصاً بشفافية و عفوية ، تلك اللعنة التي أدفع ضريبتها على مدار الساعة..

ما دفعني للكتابة اليوم هو متابعتي في الآونة الأخيرة لوسائل الإعلام و المواقع الألكترونية على وجه الخصوص ، تلك التي تسخر كل ركن فيها للإساءة إلى الشعب الكوردي و تلك الأسماء التي لا توفر كلمة إلا و تطلقها ضد الشعب الكوردي ، و تلك الهجمة المنظمة من المقالات غير الهادفة التي تكتب يومياً و تنشر على تلك المواقع المشبوهة بهدف الإساءة إلى قضية الشعب الكوردي ، فبحثت طويلاً عن سبب يدفع على القيام بمثل تلك الممارسات الرخيصة فلم أجد ، و بحثت عن سبب يدعو تلك المواقع إلى أن تدعم تلك الكتابات و تحتضن تلك السموم و الشرر فلم أجد ، و فكرت في من المسؤول عن تلك الحالة المستفحلة لدى البعض من الكتاب هل هو الكاتب نفسه أم الموقع الذي ينشر له ، فوجدت أنها حلقة مفرغة ، بمعنى أن كلاهما يكمل الآخر ، فهنا تتجلى كل معاني الجريمة ، فكلمة الجريمة لا تقتصر فقط على معاني القتل و الإغتصاب أو ما شابه ، و إنما حتى الشخص الذي يسيء إلى شخص بمقالة أو يسيء إلى شعب بمقالة فهو مجرم و يجب أن يعامل معاملة المجرمين ، لأنه يتسبب في إلحاق الضرر في الشعب المعني ، و أن وقوع جريمة في حد ذاتها هي جريمة بحكم القانون لكن إنكار تلك الجريمة هي الجريمة الكبرى ، و هنا أعني هؤلاء الكتاب الذين ينكرون بشاعة و ضخامة جريمة حلبجة و عمليات الأنفال التي تعرض لها الشعب الكوردي و يسخرون اقلامهم للإساءة إلى ذلك الشعب و سنين نضاله و شهدائه و ضحاياه جراء تلك الجرائم..

 فالشيء الوحيد الذي لا ندفع و الحمد الله إزاءه ضريبة هو الكلام ، و خصوصاً الكلام غير الموزون في هذا الزمن المتطور الحافل بالتكنلوجيا و الوسائل السهلة و البسيطة التي توفرهل التكنلوجياً لإيصال الخطابات و الخطابات الهزيلة إلى القراء المغلوب على أمرهم ، و أقول المغلوب على أمرهم لأنهم مضطرون أحياناً لقراءة الخطابات المسمومة و الخطابات الملطخة بالحقد و الظغينة و أخرى تفوح منها رائحة الكره الدفين الذي تعفن في أعماق بعض الكتاب الذين ينافقون و يواجهون العالم بوجهين و أحياناً بعدة وجوه ، و في الأخير يكتشفون أنهم هم المتعبون و ليس نحن ..على العكس من عهد الدكتاتور الظلامي صدام الذي كان يضع ضريبة حتى على التنفس فكيف الحال بالكلام على قارعة الطريق و في المقاهي و النقاش حول مسألة سياسية لا سامح الله- ، فلم يكن يتجرأ في تلك الحقبة (أكبر واحد) أن يقول ما يقوله بقاياه من حملة فكره المريض اليوم على صفحات الإنترنت ، و حتى هؤلاء الذين يكتبون اليوم و يشتمون هذا و ذاك و يدرجون أسماءهم في خانة المثقفين و يكتبون و يقفون موقف الضد و يعارضون و ينتقدون في ظل كل هذه الديمقراطية كانوا كلهم قبل هذا الزمن إما مختبؤون في الجحور أو نائمون في عسل الطاغية  ..

لذلك ترى أن إنفتاح الأجواء هكذا على حين غرة أمام الكثيرين جعلت الكثيرين يخلطون الحابل بالنابل و تضيع القيم و المباديء في خضم التسارع على نيل شرف كتابة المقالات المسمومة و البذيئة.. فهؤلاء الذين لم نسمع لهم صوت إزاء الجرائم التي كان الطاغية يرتكبها حتى في حق ذويهم  نراهم ينتهجون اليوم نفس سياسة الفاشي صدام و يطبقون نفس مبادئه العدوانية المريضة..

هنالك مسائل لا تقبل الضبابية كأن تقول أن فاجعة حلبجة لم تكن ، فهذه الأحداث أو الجرائم عندما تحدث تحدث مرة واحدة ، قد أنسى ذكرى موت أي شخص حتى ولو كان زعيماً ، لكن من غير الممكن أن أنسى ذكرى فاجعة حلبجة و جرائم الأنفال و بالتالي من غير الممكن أن أسكت إزاء هؤلاء الذين يقللون من فداحة تلك الجرائم ، و ذلك لسبب و هو أن ما من جريمة حدثت طوال التأريخ البشري أفدح و أبشع من تلك الجريمتين و لم تشهد الإنسانية على ظهر الفسيحة مأساةً بكبر المآسي التي ذاقها الشعب الكوردي على يد الأنظمة العراقية و الأنظمة التي تحكم كوردستان الكبرى في أجزاءها الأربعة و أبشع تلك المآسي على الإطلاق حدثت في حق الشعب الكوردي في كوردستان الجنوبية ، لذلك أرى أن البعض يصغر من حجم مآسيه حتى الشخصية في سبيل أن يصغر من مأساة غيره ، و تلك المحاولات كلها تصب في خانة التباكي على الطاغية المقبور والشعور بالأسف على أيامه ، قد لا يعلنونها هم لكن هي حالة يمكن رؤيتها بوضوح و هي ثابتة في منطقة اللاوعي عندهم  .. فالأقلام التي تسخر اليوم عصارة فكرها و إبداعها الكتابي في السخرية من نضال الشعب الكوردي ما هم سوى حثالات لن يكون لهم مكان في ذاكرة التأريخ ، لكن ربما في مزبلة التأريخ ..

أنا لا اؤاخذ حتى على البعض من حملة الأقلام ممن يبدلون مختلف الأقنعة حسب المصالح و الأهواء ، و حسب الأنظمة التي تأتي و تذهب ، فالأنظمة تتغير لكن الأشخاص هم الأشخاص ، فمن كان شريفاً أيام الطاغية لا يزال شريفاً حتى اليوم و من كان بلا موقف و حتى خائناً ايام الطاغية فهو يلعب نفس الدور في هذه المرحلة ..

أنا أعرف أن هناك ثوابت كما هناك متغيرات في السياسة و الإقتصاد و الفكر و الثقافة و حتى في الدين و في أكبر و أدق التفاصيل الحياتية ، هناك نظريات ثابتة نقيس عليها مباديء ثابتة و هناك متغيرات تتغير بتقلب الأهواء و المناخات و الظروف المحيطة بالقضية ، و كذلك الحال بالنسبة للأخلاق الإنسانية هناك الكثير من الثوابت التي تمكننا من أن نقيس من خلالها شخصية الإنسان و ملامحه الأخلاقية و هناك متغيرات و هي عبارة عن أمور أو تفاصيل قد تتغير مع تغيير الملابسات التي تحيط بأمر ما ..

        وجود الكورد على أرض أجداده و أجداد أجداده من المثوابت التي لا تتغير مهما تغيرت الأنظمة من دكتاتورية إلى فاشية إلى ظالمة و حتى إلى ديمقراطية أو علمانية أو دينية ...ألخ ..

        و من الثوابت التي لا تتغير أن كركوك مدينة كوردستانية شاء من شاء و أبى من أبى ، و وجود العرب -المرحلين إليها- هي من المتغيرات التي لابد و أن تتبدل مع التفعيل الحقيقي للبند 58 من قانون إدارة الدولة العراقية ، و إعادة الأوضاع فيها إلى وضعها الطبيعي.

        وجود قوات البشمركة بل ضرورة وجود تلك القوات و عدم التنازل عن وجودها هي من الثوابت التي لا و لن تغيرها أي شيء في الكون و الأراء و المحاولات و الجدل التي تحوم حولها هي من المتغيرات التي لابد أن تنتهي يوماً ..

        وجود العلم الكوردي بل و ضرورة وجود العلم الكوردي الذي هو رمز النضال و التضحيات الكوردية من الأمور الثابتة في ضمير الكورد و إستبداله بالعلم العراقي فوق المباني و المؤسسات الكوردستانية هو من المتغيرات ..

        الإصرار على نظام فيدرالي تعددي على أساس قومي و بالذات القومي هو من الأمور الثابتة في المطاليب الكوردية و التي يجب التأكيد عليها بمناسبة و بدون مناسبة ..

        ضرورة إستخدام تسمية كوردستان العراق بدلاً من تسمية (شمال العراق) هي من الثوابت المهمة في السياسة الكوردية ، لأن تسمية الشمال العراقي تعني أن لا وجود لشعب كوردي هو صاحب تلك الأرض الكوردية التي يعيش عليها و ألحقت وفق المصالح السياسية الدولية إلى بلد إسمه العرق ، لذك فكوردستان ليست شمال العراق بل هو إقليم و أرض كوردية يعيش عليها شعب كوردي ألحقت ببلد العراق حسب إتفاقية لوزان التي قصمت ظهر الشعب الكوردي و قسمت أرضه بين أربعة دول..

        من الثوابت التي لا تقبل الشك هو أن تولي كوردي لرئاسة العراق اليوم هو مبعث تفاؤل للعرب قبل الكورد أنفسهم ، لأنه مامن خوف من أن يحدث ما حدث على يد الطاغية من قتل و دمار و طغيان و ظلم كما حدث من قبل و كان آخرهم الفاشي صدام و ممارساته الفاشية ليس في حق الكورد فقط و إنما في حق العرب على حد سواء ، لأن الكوردي يعرف قبل الكل طعم الظلم لأنه ذاقه بكل أنواعه ، لذلك من غير الممكن أن يمارسه في حق شعبه ، و لو أنني شخصياً قلتها مرة حين تولى هوشيار زيباري منصب وزير الخارجية ، قلت أنه كان يشرفني أن يمثل وزير خارجية كوردي الحكومة الكوردية في قاعة الأمم المتحدة بدلاً من أن يمثل العراق في قاعة الجامعة العربية ، و أكررها اليوم و أقول أنه كان سيشرفني أكثر لو تولى مام جلال منصب رئيس حكومة كوردية مستقلة و تحدث كرئيس كوردي داخل قاعة الأمم المتحدة بإسم الشعب الكوردي بدلاً من أن يحضر إجتماعات جامعة الدول العربية و يضطر لأن يمثل بلد العراق و يستمع إلى مواويل العروبة و الوطن العربي من المحيط إلى الخليج و أن يتحدث شأنه شأن الحكام العرب و بلغتهم في تلك القاعة التي شهدت الكثير من الإجحاف في حق القضية الكوردية على مر التأريخ ، لكن مع ذلك أعود و أقول أنه ربما فيدرالية اليوم هي خطوة نحو حكومة الغد.

و هنا أدعو أصحاب تلك المقالات المسمومة إلى نزع أقنعتهم و أن يقولوها بصراحة و جرأة مثلما فعلها قبلهم علي الكيمياوي عندما قال:"سأقتلهم كلهم بالسلاح الكيمياوي ، من ذا الذي سيقول شيئاً؟

المجتمع الدولي؟ لعنهم الله ، المجتمع الدولي و هؤلاء الذين يستمعون إليهم.. ما راح أهاجمهم بالأسلحة الكيمياوية ، و إنما سأواصل الهجوم عليهم بالسلاح الكيمياوي لمدة خمسة عشر يوماً.."

و هذا الرابط هو أفضل درس لأصحاب تلك المقالات لكي يتعلموا فنون إبادة الآخرين ، فأحياناً تأثير الكلام يكون أبلغ من تأثير السلاح:

www.kurdistan4all.com/Halapja.wmv

 

* صحفية كوردية

venusfaiq@yahoo.co.uk

 

 

HOME