متاهة التحالف الكوردي
–العربي في العراق
خطوات مترددة و
قرارات متأرجحة
خسرو بيربال
لقد ساهم الكورد مساهمة جدية و مباشرة في سقوط الدكتاتورية و أجتثت ذلك الورم السرطاني من العراق بل من منطقة الشرق الأوسط بكامله , منذ عام 1991 بدأت القوى السياسية الكوردية بالتحول , و إثر ذلك التحول الإيجابي انبعث شعاع الأمل في جوانب أخرى كي تكون متأهبة لمثل هذه التحولات مثل الجوانب الثقافية و الاجتماعية , كما ذكرت أنفاً تحولت القوى الحزبية الكوردية المتمثلة في الأحزاب السياسية إلى منابر ديمقراطية متعددة الآراء و من هذا التحول شكلت هذه القوى الكوردية برلماناً منتخباً و حكومة كوردستانية اشتهرت بتجربتها الفذة و نضالها اليومي العنيف من أجل البناء و العمران ليس في البيوت و الطرقات و المدارس و الجامعات إنما في بناء الإنسان ذاته في شتى مجالات العلم و المعرفة و الخوض في غمار الحياة و العمل بجد و كفاح من أجل غدٍ أفضل , اشتهر إقليم كوردستان بحربه الضروس ضد الخراب و الانهيار الإنساني و العمراني معاً ليس في العراق وحده بل في شتى دول العالم .
مع مرور الأيام أخذت الأمور تتجه إلى صياغة قانونية لأمور الدولة و تشكيل مؤسسات المجتمع المدني الجديد في كوردستان العراق , و شكل البرلمان الكوردستاني أربعة تشكيلات وزارية لخدمة أمور المجتمع الكردستاني و إعادة بناء الوطن و كذلك إعادة تخطيط السمات الرئيسية لهذا المجتمع الذي ذاق مرارة الويلات و التدمير الشامل على مدى سنوات طويلة هذا المجتمع الذي أصبح شاهداً على أقصى و أشد أنواع التدمير العمدي البربري لقرى و مدن كوردستان و سياسات التهجير القسري و تلويث العقلية و الثقافة و تدمير البنية الأساسية في الشخصية الكوردية , هذا المجتمع الذي أبى الركوع و الخضوع لذل الهيمنة البعثية اللاإنسانية و ناضل ببأس و شجاعة شهد له الأعداء قبل الأصدقاء , غاص في بحارٍ من الدم كي يصل شواطئ الأمان و الحرية و الاستقرار ...
بشكل عام أخذت الأمور شكلاً مختلفاً كلياً مع بقية المجتمع العراقي في الجنوب و الوسط حيث تحولت الحياة إلى جحيم من العمليات الإرهابية و بالتأكيد تأثر الشعب الكوردي و احتج بشتى السبل و ساهم بتضميد الجروح البالغة التي هاجمت جسد العراق ابتداءً من بغداد و حتى الوسط و الجنوب , وهذا الشعور الأخوي لم يخرج من باب المجاملة أو العطف و الشفقة ... بل خرج من باطن جبال الأخوة لان الروابط التي تجمع الشعبين الكوردي و العربي روابط تاريخية قديمة و مسائل و قضايا مشتركة مثل الحدود الجغرافية المعقدة و العلاقات الاجتماعية المتشابكة .
لكن الشعب الكوردي كان دائماً صاحب المآسي , القلق على حق تقرير مصيره المناضل في سبيل حريته ... , استمرت مرارة النضال و السكن في الكهوف و الجبال و الهروب إلى المهاجر و المنافي حتى تم إعلان قرار المجتمع الدولي في شن الحرب على الطاغية الصدامية دكتاتور القرن الواحد و العشرين في بغداد , و شاركت الحكومة و القيادة السياسية الكوردستانية قاطبة في عملية تحرير العراق من جراثيم حزب البعث الفاشي بغياب معظم القيادات و الاحزاب العراقية التي كانت متمركزة آنذاك في أمريكا و أوربا و لم تحاول أن تشارك من بعيد أو قريب في إسقاط النظام الدكتاتوري البعثي و لم يكن الظهور و الوجود الجزئي لهذه القيادات و الأحزاب العراقية في أرض الوطن/العراق/ إلا بمساعدة و تعاون الحكومة الكوردستانية و الأحزاب الكوردية الرئيسية , و خاصة الحزب الديموقراطي الكردستاني و الاتحاد الوطني الكردستاني .
اليوم و بعد سقوط الدكتاتورية , و بناء العراق الجديد ,حاولت القيادة الكوردستانية و باستمرار على نقل تجربتهم الديموقراطية متمثلاً بالنموذج الإداري و المجتمع المدني الكوردستاني إلى جميع أنحاء العراق و تحديداً العاصمة بغداد هذه التجربة التى باتت نموذجاً يضرب بها المثل مقارنة ببقية الشعوب و دول المنطقة . لكن محاولة النقل هذه جوبهت بعواصف من الرفض و إمطار وابل من الانتقادات إلى القيادات الكوردية من قبل بعض الأوساط الحزبية و الشعبية و وحتى الطبقة المثقفة , و لم يكن هذا الرفض إلا بسبب القرار السياسي الذي اتخذته الجبهة الكورستانية بمشاركة جدية و فاعلة لبناء المؤسسات الحكومية في بغداد , هذا القرار الذي زرع الشك و المخاوف الفعلية لدى الكثيرين بسبب عدم وجود القناعة و عدم الثقة ببعض الأحزاب و توجهاتهم السياسية و الدينية في بغداد . مع ذلك تشكلت قائمة كوردستانية و شارك الكرد في الانتخابات العراقية و تشكلت الحكومة و البرلمان الوطني في بغداد , و أرسل الكورد مجموعة من كوادرها المتقدمة إلى بغداد , لتشارك في العملية السياسية و بناء العراق الجديد , و كانت لدى القيادة الكردستانية شروطاً محددة و جدية منذ البدء , حيث أبدى الجميع موافقتهم قبل سقوط النظام و بعده مباشرة كانت الجهات الدولية شاهداً على بعض من هذه الاتفاقيات بين الكورد و العرب , بين القيادة السياسية الكوردية المتمثلة اليوم, بالرئيس العراقي و رئيس كوردستان , جميع القيادات العراقية / السنة و الشيعة / كانوا موافقين على جميع شروط القيادات الكوردية و من اولويات هذه الشروط كان الاتفاق على شكل الدولة و الدستور الدائم لها , و قضية جغرافية مدينة كركوك و تمركزها كما تغنى بها الشعراء على أنها قلب كوردستان و يحضرني هنا مقولة البارزاني الخالد التي تفوق قصائد الشعراء : ( كركوك قلب كوردستان , و متى ما استطاع الإنسان العيش بدون قلب حينها ... يمكن للأعداء انتزاع كركوك من كوردستان . ) , هناك أيضاً شرطين مهمين و هما إدارة الإقليم و مصير بيشمةركة كوردستان . إن دور الكورد في العراق الجديد و مشاركتهم في الداخل و الخارج لرسم سياسة دولية و التمثيل الخارجي للعراق إنما هي مجموعة أساسية من الأمور المهمة لدى الإنسان الكوردي حتى تستطيع الطمأنينة و الاستقرار فتح دروبها إلى القلوب لترضي النفوس التي انتظرت الحرية و الأمان بعد عهد طويل من العيش المرافق للقهر و الاضطهاد القومي و مسح الهوية القومية و الجرائم المرتكبة بحق الأرض و العباد. لكن ! المبادرات و الحلول التي قدمها الرئيس مسعود البارزانى لمثل هذه الأزمات برزت في الساحة الوطنية و برز معها جهوده المضنية لجمع شمل الجميع و مداواة جروح العراق حيث اقترح سلسلة من المؤتمرات الكبيرة التي تتسع للحوار الوطني الجاد الذي يسعى إلى فتح صفحة جديدة بين العرب و الكرد و بقية الشعوب الأخرى في العراق , و كانت لهذه المبادرة الكوردية النشيطة في هذا لمجال صدىً واسعاً من قبل كل الأطراف العراقية و ذلك عبر مشاركة الكثيرين من الشخصيات العربية العراقية و خاصة من الجنوب في هذه المؤتمرات ...و عبر مثل هذه المشاركة أعلنوا فيما بعد موافقتهم على مطالبنا , خاصة الحفاظ على خصوصياتنا القومية إذ وعدوا باحترام حقوقنا القومية في العراق .
اليوم , بعد التجربة القاسية و التضحيات الجسيمة و الكبيرة للشعب الكوردي و القيادة الكوردستانية , ما من شك لدى القوى السياسية العراقية قاطبة يؤرقهم و يزرع في نفوسهم القلق حول جدية المساهمة السياسية الكوردية في بناء العراق , على أساس احترام الأحزاب العربية العراقية و الإخلاص بالعهود و الوعود لتوقيعهم على الاتفاقيات القديمة . و ما محاولةالكورد لنقل تجربتهم الناجحة في كوردستان إلى بغداد و المساهمة في بناء الدولة الجديدة إلا دليلٌ قاطع على إخلاص هذا الشعب الوفي لكل وعد قطعه على نفسه و الشعب الكوردي لديه الكثير من الطاقات و الإمكانيات الفكرية و التقنية و العلمية و الإدارية , لاستخدامها في عملية بناء الدولة العراقية الجديدة . لكن مع الأسف ...! واجهنا مواقف سلبية و غير مبدئية من قبل بعض من القوى السياسية العراقية , لتهميش القضايا الكوردستانية المتمثلة في الأمور الجدية التالية : 1- ان يكون العراق دولة فدرالية متعددة . 2- تبقى هوية كركوك كوردستانية مع تعدد أطياف أبنائها من الكورد و العرب / السنة و الشيعة / و من التركمان الذين يتشاركون أرض و سماء هذه المدينة بكل محبة و سلام و هذه الهوية الكوردستانية لمدينة كركوك غير قابلة للمساومة حتى من قبل القيادات السياسية الكوردستانية ذاتها لأن كركوك قلب كوردستان و سيبقى هذا القلب ينبض في جسد كوردستان إلى الأبد . 3- لا بد للمساواة أن تشمل جميع العراقيين و أن يكون الكورد و العرب و التركمان و الكلدوا أثوريون متساوين أمام الدستور و القانون . بعد اتفاق مع بقية القوى السياسية العراقية قبل سقوط النظام , بان برلمان كوردستان هو مصدر و مرجع رئيسي لحل قضايا الشعب الكوردي في إقليم كوردستان - الذي تبنى استراتيجية الاتحاد الاختياري – باقتراح من الرئيس مسعود البارزاني , و هذه الاستراتيجية مبنية على القومية في كوردستان العراق, و في حينه تصارع النقاش حول هذه المسالة طويلاً و قد وافق الجميع عليه و اليوم كوردستان غير مستعد لتهميش هذه المسالة و في 15/8/2005 سيعقد المجلس الوطني العراقي في بغداد , اجتماعا خاصا حول موضوع الصياغة النهائية لكتابة الدستور العراقي , كي يثبتوا في الدستور الجديد الخصوصيات الأساسية للمجتمع العراقي الجديد , يجب ان يكون واضحاً بأن الكورد غير مستعدين للتنازل عن أصغر حق من حقوقهم و من أولويات هذه الحقوق حق الاحتفاظ بمواقفهم و مبادئهم المعروفة , و هنا لا يوجد أي مجال لفتح الدروب أمام المساومة و تغير المواقف الاستراتيجية, و أيضاً حق الحرية المطلقة في تقرير المصير و التكامل مع بقية تكوينات الدولة العراقية . .
الكورد يحترمون الحبر و القلم الذي مضوا به توقيعهم , و ينتظرون تبادل هذا الاحترام من قبل الآخرين و الحفاظ على شرف التوقيع , و ما هذا التذكير سوى رغبة جامحة بإحلال الأمان و السلام على أرض العراق وأرى بموجب التذكير أيضاً أن الكثير من القوى الدولية كانوا شهودً على بعض من الاتفاقات بين القوى الكوردية و بقية القوى السياسية العراقية قبل سقوط النظام و بعده.. لكن مع الأسف ...! ما نلاحظه على الساحة العراقية غير قابل للتفاؤل بدأً من المحاولات الإرهابية العنيفة التي باتت بطلاً تراجيدياً يومياً تنهش في جسد العراق و العراقيين و بسبب هذه الهجمات نفقد الكثير من طاقاتنا الاقتصادية و البشرية باستثناء تدني حالة المعنويات الفكرية و النفسية, مروراً بالخوف و القلق الفكري و الاجتماعي الكبير الذي تغلغل إلى نفوس شريحة واسعة من أبناء العراق الكورد يخافون من العرب , و العرب يخافون من الكورد , و الاثنين يخافون من التركمان , والتركمان يخافون من الكورد.. الخ ,و السبب الكبير لمثل هذا الخوف هو عدم وجود نظام و قانون دائم و فقدان الدستور و الضمانة الاجتماعية لدى المجتمع العراقي عامة. يجب ان يسبق العملية الفعلية لكتابة الدستور , حملة إعلامية كبيرة , تشمل القنوات الفضائية العربية بكاملها, و ليس فقط العمل ضمن القنوات المحلية العراقية , كذلك الإسراع في طبع كراسات و كتب حول الموضوع , و نشر ثقافة السلام بين الشعوب العراقية , و الحث على الجميع بقبول التعايش الأخوي و ان يعترفوا بوجود ( الآخر ) و توعيتهم بوجود ثقافات و شعوب مختلفة أخرى معهم و العمل الجاد لوضع آلية للحد من تدخلات دول المجاورة للعراق و التوقف بأخذ النصائح من الدول الإقليمية و الأجنبية لتسيير دفة الأمور العراق . الكورد جادون بمساهمتهم في العملية السياسية بالعراق لكن ! بشرط ان يحترم الآخرون تواقيعهم على الاتفاقيات السابقة , و أن يحترموا بقية الشعوب و يصدوا الانتهاكات على حقوق الغير في العراق الجديد , لأنهم لا يقبلون بأن ينتهك الآخرون حقوقهم القومية و التاريخية في مجتمعهم , لقد مر عليهم التجارب و العبر بما يكفل استمرارهم و إصرارهم لتقديم المزيد من التضحيات في سبيل قضاياهم الاستراتيجية , المتمثلة اليوم بطبيعة علاقتهم مع بغداد , و دورهم التاريخي لبناء العراق الجديد و مدى مشاركتهم في التخطيط و رسم السياسات المختلفة ضمن الدولة العراقية , و باسترجاع هوية و خريطة مدينة كركوك إلى إقليم كوردستان العراق و سياسياً و ادارياً.
لقد عانينا جميعآ في العراق دون استثناء أساليب السياسات الإجرامية لنظام البعث و الدولة البوليسية و اليوم آن لنا أن نبنى الدولة العراقية من جديد عبر بناء المجتمع المدني و إعادة رسم السياسات الناتجة التي تخدم العراق و شعبه أولاً و أخيراً , و ان نبنى البنية التحتية لاقتصادنا المدمر , فنحن نعيش في بلد غني و واسع الثراء و لكننا نفتقر إلى النظام و التخطيط و الإدراك و الوعي في كيفية استثمار هذا الغنى و الثراء , نحتاج إلى الكثير من الجهد و العمل لبناء نظام الإدارة الناجحة , و للكورد نموذجًا ناجعاً في هذا المجال طيلة أربعة عشر عاماً من تسيير أمورها الإدارية عبر حكومة كوردستان .
ان المصلحة الوطنية تستوجب الحيطة و الحذر من لدن الجميع و هناك من يراقب التطورات السياسية بدقة في بغداد كي يفهم العرب أن الكورد يقضون ليلهم و نهارهم في سبيل خدمة العراق و الوجود الكردي في بغداد ثمرة النضال الذي دام عقوداً من الزمن و هذا الوجود موجود كي يبني و يعمر الوطن و يخدم قضايا الأمة الكوردية و العربية , و يخدم ثقافاتهم و مصالحهم , و هنا لا يسع المجال لقبول و فرض آراء و قرارات بحق تقرير المصير كما يشاء البعض في بغداد , ولا بد لهم ان يدركوا أن الشعب الكوردي لديهم مراجعهم و ديوانهم و أسلوبهم الخاص لتقصي الأمور و اتخاذ القرارات المهمة و الصعبة . ستكون المرحلة القادمة مرحلة مصيرية بالنسبة للجميع في الدولة العراقية و المجلس الوطني في بغداد , أما ان يكسبوا صداقة الكورد و ان يستفيدوا من مشاركتهم في البناء , أو ان يعيشوا مرحلة تاريخية جديدة ليشاهدا بأعينهم شعاع استقلال كوردستان يسطع ليصبح منارة للديموقراطية و الحرية و الانفتاح .
|