بين قلق عمرو موسی و التردد الکوردي
محسن جوامير ـ کاتب کوردستاني

   

طلب الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عمرو موسى من الحكومة العراقية  تفسيرا عاجلا لما جاء في مسودة الدستور العراقي الجديد من أن «الشعب العربي في العراق هو جزء من الأمة العربية»، معتبرا ذلك «خطيرا للغاية».

وقال موسى في تصريحات للصحافيين أمس «طلبنا تفسيرا من الحكومة العراقية حول هذا النص الذي سبب الكثير من عدم الارتياح والقلق لدينا». وأشار الامين العام الى أنه أجرى العديد من الاتصالات مع عدد من المسؤولين العرب الذين شاركوه حال القلق الكبير حول النص المشار اليه ومغزاه.

 

 وأكد موسى أن هذا النص «خطير للغاية لأن العراق عضو مؤسس في الجامعة العربية»، وتساءل «هل يطعن هذا النص في الانتماء العراقي الشامل لهذه المنطقة والعالم العربي؟». وجاء في مسودة الدستور: «العراق بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب وهو جزء من العالم الاسلامي والشعب العربي فيه جزء من الأمة العربية».

 

ما تقدم ذکره‌، نشر ونقلناه‌ من موقع " الناس " الألکتروني...

ويبدو من تلکم التصريحات للسيد عمرو موسی إنه کباقي المسؤولين العرب لايزال يعيش في حالة إختلاط الرؤية التي إستبدت بهم قبل غيرهم، وبالتالي أصبح نهارهم کليلهم، وأحلام ليلهم لا تتجاوز حدود " أضغاث أحلام " يبغون فرضها ، ومشاريع لا يريدون لها إلا أن تمرعبر أنفاق العنف وتحدي إرادة الشعوب واجماعها " السيف أصدق أنباء من الکتب ' ...

 

 تلکم الأحلام والسيوف التي ما فتئت تحکم في رقاب الشعوب سواء حکما أو دستورا او منطقا أو تصريحا، وبالتالي لا يمکن أن يصدر قانون أو دستور إلا علی مسن " بکسر الميم " السکاکين والرماح ، أو علی ظهر الدبابات وعبر فوهات المدافع وقصف الطائرات، اواسکات نداء المعارضين والمعارضات، بزجهم في السجون والمعتقلات، واتهامهم بشق وحدة البلاد، أو بالاکراه‌ والتهديد... ومن دون العودة إلی أصحاب الشأن والقضية والبحث في مسألتهم بتؤدة وروية..!

 

لقد تسبب الدستور العراقي للسيد عمرو موسی ولاخوانه‌ " الکثير من عدم الإرتياح والقلق "... لأن إعتبار " الشعب العربي ـ فقط ـ في العراق هو جزء من الامة العربية خطير للغاية "... لاشک أن السيد عمرو يقصد في تصريحه هذا " الکورد " بالذات لأنهم الأکثرية الثانية، وقد أستثنوا من هذا الانتماء العربي إلی الامة..!

 

يبدو أن عبارة ' وهو ـ أي العراق ـ جزء من العالم الإسلامي " والتي تعني ضمنا أن الکورد وغيرهم ـ مع العرب ـ جزء من العالم الاسلامي، لم تشفع للمشرعين لدی السيد موسی لأنه يجب أن تکون " العروبة أولا " أساسا لکل علاقة حتی مع غير العرب، والزواج الکاثوليکي قاعدة ورکنا في عقود الزواج بين الکورد والعرب، ولا تستوجب حتی قراءة الفاتحة کما استوجبت بعد عقد إتفاقية خرطوم المسلمة والجنوب السوداني المسيحي، التي لابد وأن السيد موسی قد بارک لها ودعا الله‌ أن يجمع ويؤدم بينهما بالخير والسؤدد لحين قرار الجنوبيين بفسخ النکاح أو دوام الإلتصاق، دون إتهامهم بالسفاح من جانب سيادته‌..!

 

 وفي الوقت الذي لا مانع لديه‌ کذلک من الاعتراف باسرائيل وتبادل السفراء ورفرفة علمها في کل بقاع العرب، يحز في نفسه‌ أن يری شعب کوردستان ذو الخصائص الذاتية کالشعوب الاخری وصاحب أرض وتأريخ، لا يضم(   بضم الياء )  قسرا إلی بوتقة الامة العربية، حتی لو أعتبر جزءا من الامة الاسلامية التي تحوي مختلف الأجناس واللغات والشعوب، ومن ضمنهم شعوب ودول الجامعة العربية وکذلک السيد عمرو موسی وأصحابه‌..!

 

أنا لست في معرض التعرض للدستور الذي يحتوي بنظر الکورد زلات وهفوات وينظر إليه‌ بتردد، لکون بنودها لا ترتقي إلی مستوی الطموح الکوردي في تشکيل دولته‌ وحقه‌ في الاستقلال التام کباقي الشعوب التي قد لا تصل نفوس بعضها معشار نفوس الکورد، ولا تصل مساحة أرضها نصف مساحة کرکوک في جنوب کوردستان..!

 

ولست  کذلک بصدد التصدي للنص الوارد في مسودة الدستور  " العراق بلد متعدد القوميات والأديان، وهو جزء من العالم الإسلامي والشعب العربي فيه جزء من الامة العربية "... والذي أقلق الشارع الکوردي لأنه‌ لم يرض مطلبه‌ الراهن الذي کان ولايزال منصبا علی أن يضاف إليه أيضا نص " والشعب الکوردي جزء من الامة الکوردية " وکذلک " حق تقرير المصير " بصراحة، ومن باب أضعف الايمان، والذي ينسجم مع الواقع التاريخي والجغرافي لشعب كوردستان الذي ظل مناوئا ومقاوما للظلم الواقع عليه‌، ولتضحياته‌ التي هي بادية للعيان، طوال أکثر من ثمانين عاما لم يذق فيه‌ طعم الحرية والأمان، ناهيکم عن بلد يؤويه‌ ويحميه‌ من شر شياطين الإنس والجان...

 

لهذا السبب ليس معلوما أن يصوت الکورد علی مسودة الدستور في الاستفتاء القادم، علی الرغم من إحتواءها ـ کما يلاحظ ـ بنودا يمکن تفسيرها  فيما لو طبقت ـ لاسيما بعد عودة کرکوک وأخواتها ـ بأنه‌ ستصبح للکورد ـ نسبيا ـ دولة داخل دولة إتحادية فيدرالية، بغض النظر عن طبيعة تکوينها وشکلها أو صلاحياتها.

 

ولکن يا تری أين کان الأستاذ عمرو موسی إبان يوم قيامة العهد البائد الذي وأد کل القيم الانسانية من أجل بقاءه‌..؟ ماذا کان موقفه‌ حيال الجرائم التي ارتکبت والمجازر التي أقيمت وحملات الإعدام التي نفذت والأنفالات التي حصدت الأرواح وجعلت کوردستان والعراق موطن الأشباح..؟!

 

 ألم يشعر ـ کانسان وکعربي وکمسلم ـ بعدم الإرتياح کما يشعر اليوم حيال نص " والشعب العربي فيه‌ جزء من الأمة العربية "..؟! وألم يسمع من السيد نائبه‌ الاستاذ نورالدين فرحات حشاد الذي زار حلبجة العام المنصرم وشاهد بعض معالم تلک الجريمة، حجم ما تعرض له‌ شعب کوردستان من حملات الإبادة، حتی يدرک أن الکورد قد تحقق عليهم قول الشاعر صدقا وعدلا:

مسافرون نحن في سفينة الأحزان

قائدنا مرتزق

وشيخنا قرصان

مکومون داخل الأقفاص کالجرذان

لا مرفأ يقبلنا

 

کل الجوازات التي نحملها

أصدرها الشيطان

کل الکتابات التي نکتبها لا تعجب السلطان

 

إذا کان السيد عمرو موسی الأمين العام لجامعة الدول العربية يشعر بالقلق وعدم الشعور بالإرتياح لما ورد في الدستور العراقي، وطلب تفسيرا وتوضيحا للأمر... فان الکوردي يشعر بشئ من التردد والريبة حتی حيال الحد الأدنی من مطالبه‌ التي تحققت في مسودة الدستور، خشية أن يکون مصيرها مسودا کمصير البنود التي وردت في قانون إدارة الدولة الذي وضع في سلة المهملات‌ اوبقي حبرا علی ورق، خاصة المادة 58 المسکينة والتي کادت أن تصبح في عداد الموءودات التي لا أحد يسأل : بأي ذنب قتلت..؟!

 

mohsinjwamir@hotmail.com