الديمقراطية في كُردستان مجرّد سراب

 
حميد كشكولي

 

 

مؤسسات الحكم في كردستان مثلها مثل أي ّ نظام طبقي قائمة على سيادة أقلية صاحبة ثروة و سلطات مطلقة ، تستغل ّ الأكثرية المحرومة . ولا يمكن أن يتصور  المرء وجود ما يربط هذه المؤسسات القبلية المافياوية بحقوق الإنسان أو المساواة أو الديمقراطية الواقعية والمجتمع المدني.

إن ّ اعتقال الكاتب كمال سيد قادر باختطافه في أربيل وإيداعه الزنزانة الخاصة بتأديب الناس الذين يتجاوزون "الخطوط الحمراء" ، و من ثم الحكم عليه بثلاثين سنة سجن ، كان صدمة لكثيرين ممن كانوا يتصورون كردستان واحة للديمقراطية والحرية ، لكنه كان خبرا مألوفا لمن عايشوا الأحداث منذ  1991 أي بعد أن هرب النظام البعثي من كردستان إثر الانتفاضة الجماهيرية ، ونزول الأحزاب القومية المفلسة آنذاك من الجبال و إيران وتجرد الجماهير من الحكم و القرار .

 إن ما ارتكبته السلطات الكردية من جرائم بحق الجماهير  لتجعل من الحكم الجائر بحق الدكتور كمال سيد قادر مسألة مألوفة أو " زلاطة" حسب المقول الشعبي العراقي،  وليس مبعث صدمة أو اندهاش. و المواطن البسيط يدرك جيدا أن  هذا الحكم الجائر  الهدف الرئيسي  منه هو  إدخال الرعب في قلوب الرعية ، لأجل أن لا يفكر أحدهم بتجاوز تلك الخطوط الحمراء في يوم ما . 

لقد ارتكبت هذه القوى جرائم " أم الجمارك"  التي أزهقت  فيها الآلاف من الأرواح في سبيل اقتسام السلطات والثروات ، ولم يتورع رؤوس هذه القوى المتسلطة على رقاب الجماهير  في هذا السبيل عن قتل الأسرى ، أبشع جريمة حرب تؤدي بمرتكبيها إلى أقسى عقاب في المجتمعات المدنية.

فمن يتصور أن وضع حقوق الإنسان وحريته أمسى أفضل مما كان عليه في عهد النظام البعثي السابق إما واهم أو  يكذب وينافق في سبيل السحت الحرام. فالحكام في كردستان يصرفون الملايين من الدولارات لأجل تشويه الحقائق عبر  وسائل إعلامهم الغوبلزية ، وشراء كتّاب وصحفيين ومؤرخين لا ذمة لهم ولا ضمير .

وإنّ الديمقراطية تقتصر هنا على ترخيص عمل حوالي 30 حزبا ومنظمة شغلها الشاغل التغني "بالقيادة الكردستانية الحكيمة" ، و الوقوف بوجه " الهجوم العنصري " للعدو، وإلا يكون مصيرها مثل مصير الشيوعي الثمانيني من العمر لازار يوسف " أبو نصير" ، أو الشيوعيين العماليين قابيل وشاه بور أو الشيوعيين الذين قتلهم عناصر أمن السليمانية في وضح النهار  في مجزرة رهيبة . و تقتصر الديمقراطية أيضا هناك في ترخيص صحف ومجلات لا تختلف كثيرا من حيث الجوهر عن صحافة النظام البعثي السابق.

الأحزاب المرخصة من واجبها تعبئة الشعب ضد العدو ،  و لكن لا أحد يعرف لحد اليوم من هو هذا العدو . هذا "العدو" اصبح سوطا بيد عناصر السلطة الكردية لقمع أي احتجاج و قتل أي انتقاد. حقا أريد أن  أعرف من هذا العدو . هل كان صدام ونظامه الذي اجتاحت قواته أربيل بعد أن  استنجد به البارزاني لطرد قوات غريمه طالباني وتوسيع رقعة سلطاته. أكان صدام وعدي و جلاوزته ؟ أم الأنظمة الدكتاتورية في إيران وتركيا وسوريا؟  أ من الضروري الحديث عن العلاقات و التنسيق مع هذا الأنظمة تاريخيا  و العمالة لها؟؟

واليوم يتعامى هؤلاء الحكام عن أن الناس واعون ولا تنطلي عليهم هذه الادعاءات والأكاذيب التي كان يلجأ إليها المستبدون عبر  عصور للتغلب على التناقضات الداخلية وقمع أي خطر يهدد كراسيهم وسلطاتهم.

وقد كان آخر تعاون مع النظام التركي هو تسليم إحدى مقاتلات مؤتمر الشعب " به كه كه سابقا" فاطمة سوره   في معبر خابور  إلى قوات الأمن التركية لتحاكم فورا و تعاقب بالسجن لعشر سنوات .. لكن هذا الحكم أخف بكثير من 30 سنة سجن للدكتور كمال بسبب كتابة مقالتين يسميهما إعلام البارزاني بالقذف والشتائم . ويمكن الرجوع إلى مصدر الخبر في وسائل الإعلام التركية في الرابط أدناه:

http://www.digimedya.com/default.asp?NID=86860

ظاهرة الاستبداد  وفي القرن الحادي والعشرين وفي عصر العولمة و"الشفافية" كما يتشدق بها عرّابو الاستبداد ،  تتجلى في كُردستان على شكل هيمنة حزب واحد نواته  عشيرة تزعم العصمة، على السلطة الأبوية بمعنييها الرمزي والعائلي ، والتي بدورها ، تزعم امتلاكها المعرفة النهائية والحكمة اللتين لا يأتيهما الزلل قط.

و  إن كلا من التراتب العائلي والقسر الاجتماعي موضوعان هما أيضا كقانونين نهائيين تُحرّم مناقشتهما. أجل ، تحرم مناقشة أسباب  جمع كل السلطات والثروات في عائلة واحدة . إنه  خط أحمر لا يجوز تجاوزه بأن يتساءل المواطن عن دواعي كون الرئيس و رئيس الحكومة و رئيس الأمن القومي ورئيس الأمن المالي  في بيت واحد ، فهذا قذف وشتيمة وكفر في حق المقدسات. وإنه لجريمة لا تغتفر أن يسأل الرعية لماذا أهالي حلبجة الناجين من الأسلحة الكيماوية يعيشون في بيوت من صفيح و قسم كبير منهم مشردون وشحاذون ؟ ممنوع أن تسأل أين أصبحت الملايين من الدولارات الخضراء المباركة  التي جمعت كتبرعات من كل الدنيا  لإعادة بناء حلبجة و إعانة أهاليها و  التي لا تزال مدينة أشباح و الظلمات كبقية مدن كوردستان ، بل أفظع  ؟؟

  هذه الأسئلة يطلق عليها  مرتزقة الحكام شتائم وقذف  بالرموز القومية والتاريخية وإهانات للكورد  و صب الماء في طاحونة الأعداء  من العرب و التركمان  والفرس.

 وتتجلى ظاهرة الاستبداد أيضا  على  الصعيد السياسي في قمع أية ماهية معارضة، وأيما هيئة أو شرعة اجتماعية أو مجموعة تعلن بهاء التنوع بدلا من رتابة الصور المعاد غير الضروري. وهذه من خصال النازية .

إله المستبدين لا يسمح لإله غيره بأن يوجد، ولن يسمح أتباعه بالتالي لأتباع إله غيره بأن يوجدوا ، وهو بالتالي أقسى شكل للألوهية وأكثرها إرهابية وتشربا للبدائية والبداوة والصحراوية. وإذا ما أخذنا الحضارية كمعيار لتصنيف مقولات الآلهة تراتبيا ، فسوف يحتل حكام المشايخ هؤلاء   الدرك الأسفل. كإله واحد أوحد ، والذي لا تسمح وحدانيته المطلقة الدكتاتورية بأي شكل للتعددية الديمقراطية والتعددية دعامة الحضارية الأولى. ولا يمكن إطلاقا مقارنة هذه السلطات  بسلطة البرجوازية في عصر صعودها ، إذ كان من مصلحتها  التعددية الحضارية الديمقراطية وتصنيع البلد  .

من المضحك أن يدعي ما يسمى بوزير حقوق الإنسان أن الدكتور كمال سيد قادر صدر الحكم عليه  وفق  المادة (1) من قانون 21 من قانون العقوبات العراقي 2003 .

وأضاف ما يسمى بوزير حقوق الإنسان في سلطات البارزاني في حديث للقسم الكردي لصوت أمريكا إن الدكتور كمال سيد قادر قد تعرض لشرف الناس على صفحات بعض المواقع الإلكترونية ، وأن جهاز الباراستن العام ومجلس محافظة أربيل قد رفعا دعوات ضده . وقد كان  وزير حقوق الخطوط الحمراء  قال قبل يوم من صدور القرار الجائر بحق الدكتور كمال سيد قادر بالحكم عليه 30 عاما بالسجن ، قال  في إحدى غرف البالتوك إنه لا يعلم أي شئ عن قضية اعتقال د. كمال .

 

أكاذيب الوزير ونفاقه المقزز فاضحة وفظيعة ، إذ لم تكن ثمة دولة في العراق عام 2003 لكي تصدر أو تمدد بقوانين العقوبات . و إن الدكتور كمال سيد قادر كتب مقالات عديدة لفضح الفساد المتفشي في كردستان و دكتاتورية عائلة البارزاني ، أي إن انتقاداته كانت موجهة إلى الحكام وعلى رأسهم البارزاني . فالمدعي أو المشتكي في هذه الحالة يكون البارزاني وليس أي شخص  آخر.   والحاكم إن كان  لا يزال أسير أحلام القائد الأوحد ، والحزب القائد ، وقد وضع خطوطا حمراء لا يجوز تجاوزها  ، يكون له مثل هذه النماذج من الوزراء.  

 

قوانين البعث تطبق في ظل سلطات البارزاني لكن رفع علمه ممنوع . و لن ينسى أي مواطن كما أسلفت  أن قوات النظام البعثي اجتاحت أربيل بالاتفاق مع مسعود البارزاني لطرد غريمه الطالباني في ظل هذا العلم . وإن مرتزقة النظام البعثي  الذين احتضنتهم السلطات الكردية و منحتهم مسؤوليات عسكرية وإدارية كبيرة ، كانوا يتقدمون قوات صدام في جرائم الأنفال في ظل هذا العلم. 

ففي الوقت الذي نشهد إطلاق سراح مجرمات ومجرمين من رؤوس النظام البعثي  الذين كانت لهم اليد الطولى في ارتكاب جرائم المقابر الجماعية و الكيماوية  من قبل قوات الاحتلال ، و الاتفاق معهم على إشراكهم فيما يسمى بحكم العراق . وفي وقت نشهد أن كثيرا من المجرمين الذين كانوا من رموز مجازر الأنفال و إبادة الشعب الكردي ، وكذلك كثيرين ممن كانوا يعملون جواسيس وعملاء للنظام البعثي  ،  يتبوءون اليوم  مراكز مهمة في سلطات الميليشيات .

و الموقف المقزز يكون لبعض الكتاب و المثقفين في مناشداتهم للبارزاني لإطلاق سراح دكتور كمال وكأنه ارتكب جريمة. 

 

إن ما نشهده اليوم من ظواهر القمع و الاستبداد و انتهاك حقوق الإنسان والمواطنة في كردستان وكل العراق يؤكد للجميع كذبة ادعاءات الإمبريالية الأمريكية و الغربية بمشروع إقامة دولة القانون والديمقراطية في العراق.

 

وليس ثمة من عاقل يعتقد أن القوى الظلامية و العشائرية  والأفراد الرجعيين و عصابات  النهب والسلب والقتل و  التي يتبناها الأمريكان  لتحقيق مشروعهم المزعوم لمؤهلة لهذه المهمة، مهمة بناء دولة القانون و المجتمع المدني  .  وإن سكوت الأمريكان عن الجرائم التي ترتكب في كردستان و انتهاكات حقوق الإنسان ، ليذكرنا بفترة نظام صدام حين كانوا يتعامون عن جرائمه في حق العراقيين ، أو أحيانا يبررونها لأسباب تقتضيها مصالحهم الإمبريالية في الهيمنة و استغلال الشعوب.  فالديمقراطية الأمريكية تتمرغ في أوحال الاستبداد في كردستان و تداس تحت أقدام   إرهاب القوى الظلامية للإسلام السياسي و القومي والطائفي في العراق.