حقوق القوميات فيما بعد سقوط الانظمة الشمولية و الدكتاتورية بين الحلم والواقع

الحقوقي الصحفي/ محمد مشير

" لايستقيم في العقل ان نريد الاستقلال ونسير سيرة العبيد"

                                                       (طه حسين)

بعد انهيار المعسكرالشرقي في اوروبا وفشل التجربة السوفيتية في بناء نظام سياسي – اقتصادي قائم على الملكية الجماعية لوسائل الانتاج والثروات الطبيعية على انقاض النظام القيصري الاوتوقراطي المتخلف اقتصاديا - كبلد كانت البرجوازية فيه في طور التكوين كطبقة - و صناعيا ًمقارنة ً بدول اوروبا الغربية المتطورة في كلا المجالين، سارعت القوميات( التي لم تنتقل في حينها بشكل طبيعي الى جمهوريات سوفيتية متحدة عام 1922بل تحولت ميكانيكيا ً بقرارات فوقية من كيانات صغيرة متخلفة ذات بنية اقتصادية زراعية وحرفية صغيرة على الاغلب ) الى  اعلان استقلالها واحدة تلو الاخرى وسارت باتجاه خوصصة قطاعات الدولة وفتح الحدود امام الاستثمارات الاجنبية والانتقال الى اقتصاد السوق وفي الوقت ذاته بدأت باعادة بناء هيكلة الدولة والنظام السياسي من دول خاضعة لمركز متسلط الى دول قومية ذات انظمة سياسية تبنت الديمقراطية لتعيد النظر في كافة مفاصل مجتمعاتها للسير نحو تحقيق قدر اكبر من الحريات الفردية والسياسية وتضمين حقوق الانسان فيها. وقد اثرت سقوط الانظمة الحاكمة في دول الكتلة الشرقية وتفكك جمهوريات الاتحاد السوفيتي،كانعطافة تاريخية حادة على مجريات الاحداث عالمياً وتحولت الاوضاع بصورة سريعة من عالم يتنازع فيه قطبين كبيرين ( القطب السوفيتي والقطب الامريكي)الى عالم ذو قطب واحد يتحكم بمصائر الشعوب ويستغل بشكل فظيع ثروات العالم تحت ذرائع شتى ولكنه في الوقت ذاته بسلوكياته وسياساته هذه تحول الى عامل مساعد ايقظ الشعوب وحركاتها السياسية في آن واحد من سباتها العميق ، رغم اختلاف توجهاتها السياسية والايديولوجية، مما دفع بقيادات الدول والشعوب المظطهدة الى استغلال هذه النقطة بالذات و وضع جدولة لمعالجة قضاياها العالقة؛ فالكثير من الدول التي تشكلت على اساس كونها اتحادية سابقاً،وعانى شعوبها الاضطهاد القومي ، مثل (يوغسلافيا ، تشكسلوفاكيا ) لانها اساساً لم تكن متحدة اختيارياً و بارادة شعوبها فضّلت الانفصال اختيارياً ولجأت الى صناديق الاقتراع ، فالاول انقسم الى عدة دول مستقلة كصربيا وكرواتيا وسلوفينيا والجبل الاسود و قد تلحق بهم كوسوفو قريباً، والثاني انقسم الى جمهوريتي التشيك والسلوفاك. الا ان دول منطقة الشرق الاوسط وبالاخص الدول التي تعاني مشكلة القوميات والاقليات الدينية  لم تتأثر بهذا الحدث الكبيرالا على شكل هزات خفيفة، ولم يتجاوب حكامها المستبدون لأبسط حقوق القوميات المسحوقة في حقها في تقرير المصيروالتمتع بحرياتها المسلوبة ،بل على العكس من ذلك تماماً شددت الانظمة الدكتاتورية في هذه الدول على نهجها الاستبدادي ولجأت الى استخدام العنف  لقمع الاصوات التي طالما طالبت منذ ذلك الحين ولحد الان بحقوقها القومية المشروعة. فمن منا لم يسمع بتظاهرات الكورد في قامشلو بسوريا و مسيرات الكورد في مهاباد و سنه و بوكان..في شرق كوردستان وتظاهرات الاهوازيين العرب في جنوب ايران و نكران تركيا لحقوق اكثر من20 مليون انسان كوردي يسكنون مناطق تواجدهم الحالي حتى قبل ان تتشكل الدولة التركية الحديثة، بل وحتى قبل ان يستلم العثمانيون مقاليد الخلافة الاسلامية ويحكمون بأسم الاسلام لمدة ستة قرون ؟! من الذي لايعلم كيف و بماذا واجهت الانظمة الشوفينية في الدول المذكورة المطالب المشروعة ، هل اختارت منطق الاقرار بحقوق الاخرين أواللجوء الى اساليب ديمقراطية لمعالجة القضايا كما فعلت دول اوروبا الشرقية و جمهوريات السوفيت(في اغلب الحالات) أم انها لجأت الى ابشع اساليب القمع والابادة والسحق و التمسك بمبدأ صهر القوميات ؟!

هذه التساؤولات وغيرها تجعلنا نعيد النظر ونتأمل بشيء من الدقة الاوضاع المشابه في عراق ما بعد الدكتاتورية ، عراق الذي يتمسك فيه قادته السياسيون في تصريحاتهم على انهم يرغبون في بناء عراق اتحادي بين كافة مكونات المجتمع العراقي(عرباً وكرداَواشوريون وكلدان و تركماناً و.. ؛ وشيعة وسنة ومسيحيون ويزيديون وصابئة) الذي لايزيد هذه الوحدة المزعومة اختيارياً الا سوءاً وتدهوراً لللاوضاع فيه ،اذ ان التوجه السائد عالمياً في عالم ذو قطب واحد هوتفكك الكيانات السياسية الحبلى بالتنوع القومي والعرقي والمذهبي وذلك لمصلحة الجميع باسلوب ديمقراطي حضاري، حيث لايمكن التجاهل بأن الاتحادات المبنية على غير ارادات شعوبها  ، اي ان الاتحادات المصطنعة لاتكون نتائجها في افضل الاحوال ،وفي ظل الظروف الدولية الراهنة ،أحسن من سابقاتها التي غضّت النظر عن حقيقة الاضطهادات القومية والدينية والعرقية وكذلك تطلع الشعوب اولاً الى استقلالها وبناء كيانها السياسي المستقل. فهل نريد تجاهل دروس التأريخ القريب ونصّرعلى اننا نسلك الطريق الوحدوي الصحيح أم نتنازل لبعضنا البعض باسلوب واقعي ونقر بحقوق الاخرين في أن يختاروا العيش خارج الاوهام الوحدوية التي لاتزيد الطين الا بلة؟!    

 

 
           

 

02/09/2015